كورونا والاقتصاد العالمي.. “حرب من نوع آخر”

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

يبدو أن زعماء العالم كله تقريبا يشبهون الكفاح لاحتواء وباء كورونا العالمي والتغلب عليه بفترة الحرب، ويشيرون إلى ضرورة اتخاذ تدابير مماثلة لفترة الحرب، بما في ذلك التعبئة الصناعية والتدابير الاقتصادية والقانونية اللازمة لتعزيز جهود الحكومات.

ففي الشهر الماضي، وصف الزعيم الصيني ”شي جين بينغ“ جهود الصين لمكافحة الفيروس بـ ”حرب الشعب“، وفي الأسبوع الماضي، وصف دونالد ترامب نفسه بأنه ”رئيس زمن الحرب“، بينما أعلن إيمانويل ماكرون أن فرنسا ”في حالة حرب“ مع كوفيد-19.

وبينما تتصاعد الاستجابة العالمية للوباء، ينتشر أسلوب التعبئة الحربية في كل مكان في العالم، ففي إيطاليا، البلد الأكثر تضرراً في أوروبا، دعا المسؤول الحكومي عن مكافحة الفيروسات البلاد إلى ”تجهيز نفسها باقتصاد حرب“ لمواجهة المرض.

كيف يمكن استخدام اقتصاد الحرب لفهم المعركة ضد فيروس كورونا؟

وفقا لمجلة ”فورين بوليسي“، استخدمت فكرة اقتصاد الحرب في التعبير عن عدة أشياء، بما في ذلك الإنتاجية والتضحية والإصلاح والتضامن واتساع الحيلة.

وفي بعض هذه المجالات، لا تعتبر عقلية الحرب طريقة مناسبة للتفكير في الوباء العالمي، ولكن في جوانب أخرى، حان الوقت لتتجاوز الحكومات الغربية مجرد خطاب الحرب، إذ يقدم تاريخ اقتصادات الحرب في القرن العشرين دروسا مهمة يجب أن يستفيد منها صانعو السياسة بالفعل اليوم.

وتشير حملة العالم ضد المرض بشكل واضح إلى الحاجة الملحة لتوسيع الإنتاج والرعاية، ونظرا لأن حالات كوفيد-19 تضغط على وحدات العناية المركزة حول العالم، فإننا نحتاج إلى المزيد من مجموعات الاختبار، وأسرة المستشفيات، وآلات التنفس الصناعي، والأقنعة، والملابس الواقية بكميات كبيرة وبسرعة.

ويواجه نظام رعاية الطوارئ المتوسع تحديات في سلاسل الإمدادات، وعلى سبيل المثال المواد الكيميائية المستخدمة في الاختبار، ونقص الموظفين الطبيين المدربين الوشيك.

ويعد استخدام الحكومة الأمريكية الأسبوع الماضي لقانون الإنتاج الدفاعي (DPA)، وهو قانون الحرب الباردة الذي يسمح لها بتحديد الأولويات وتخصيص الموارد للمساعدة في توسيع الصناعات الخاصة في القطاعات الإستراتيجية، خطوة على الطريق لبناء قاعدة طبية ضخمة لزيادة الإنتاج.

ومع ذلك، كما يشير المؤرخ ”تيم باركر“، فإن قانون الإنتاج الدفاعي ليس النموذج الوحيد لتعبئة الموارد بهذا الشكل، أو حتى النموذج الأكثر فاعلية. فهناك نماذج أقل اعتماداً على القطاع الخاص، مثل سلفه الذي سُن في وقت السلم، قانون ”إدارة تقدم الأعمال في عصر الصفقة الجديدة“، الذي ركز على تشغيل الأعداد الكبيرة من العمال الذين يواجهون البطالة في الأسابيع والأشهر المقبلة، فضلا عن إنعاش الاقتصاد، فهذا التوظيف العام يوسع قدرة الدولة ويزيل الحاجة إلى الاعتماد على ممارسات العمل الاستغلالية المرتجلة، مثل استخدام ولاية نيويورك للمساجين لإنتاج معقمات اليد بكميات كبيرة.

تغيير سياسي

وتساعد الحاجة التي لا مفر منها لتدخل الدولة في تفسير سبب كون اقتصاد الحرب هو التشبيه المفضل لدى التكنوقراطيين، فلطالما منحت الأزمات صانعي السياسات الإصلاحيين الصلاحيات اللازمة لتجاوز الجمود التشريعي والمصالح الراسخة، إذ تسمح أزمة الفيروس التاجي بالفعل في تنفيذ الأفكار التي كان يمكن اعتبارها جذرية للغاية قبل أشهر فقط، فالسرعة التي تبنى بها المشرعون الأمريكيون أفكارا تدخلية مثل التحويلات النقدية المباشرة، وتجميد الرهانات العقاري، وتأميم الحكومة للشركات المتعثرة، هي إثبات صحة تفكير اليساريين.

في حالة دولة الرفاهية الأوروبية، تم جني الثمار الحقيقية لإدارة أزمة الحرب بعد نهاية الصراع. والسياسات التي تهدف إلى التعامل مع أضرار الكساد الكبير والحروب العالمية خلقت مجموعات نفوذ انتخابي جديدة.

وعلى الرغم من تأطيرها على أنها تدابير استثنائية في زمن الحرب أو ما بعد الحرب، ترسخت العديد من هذه التدابير بسرعة، وفي بريطانيا وفرنسا وألمانيا في فترة ما بين الحربين العالميتين، كان الدعم المالي لـ ”ضحايا الحرب“، بمن في ذلك من المتطوعين والأرامل والأيتام الذين خلفتهم الحرب أو المعوقين بسبب الحرب، هو الذي أوجد أسس المعاشات التقاعدية الشاملة ورعاية الأطفال في وقت لاحق.

وإذا نمت تدابير الاستجابة لأزمة كوفيد-19 لتشمل مجموعة كبيرة بما يكفي من الناس، على سبيل المثال، ملايين عمال الخدمة الذين فقدوا وظائفهم، فقد تتطور هذه المجموعة شبه المنظمة الجديدة لتلعب دورا سياسيا مستقبليا.

والآن أصبح الأطباء والممرضات وأفراد التوصيل والبريد وعمال النقل وموظفو متاجر البقالة وعمال المخازن والنظافة والصيانة والميكانيكيون وموظفو التكنولوجيا وعمال المزارع، الأساس الذي لا غنى عنه لمجتمع فاعل.

التربح أثناء الحرب

وفي حالة الحربين العالميتين، بينما تطوع الملايين للقتال كان المدنيون في المصانع والمدارس والمستشفيات على الخطوط الأمامية أيضا، وتمكنت الدول من إنشاء اقتصاد أخلاقي جديد يحتقر التربح أثناء الحرب، فكل مجتمع في حالة حرب بين عامي 1914 و1945 تميز بكراهية خاصة للأفراد الذين حققوا أرباحا هائلة بينما خاطر آخرون بحياتهم وقدموا المساعدة من خلال عملهم.

وكانت الأداة الأولى في هذا الكفاح هي ضريبة الأرباح الزائدة، فبين عامي 1915 و1918، فرضت كل دولة شاركت في الحرب العالمية الأولى ضرائب على أرباح الأفراد والشركات الخاصة. وندد السناتور عن ولاية ويسكونسن ”روبرت لا فوليت“ بمن يستغل الحرب باعتبارهم ”أعداء الديمقراطية في الوطن“.

إذ قال الرئيس ”فرانكلين روزفلت“ ببساطة: ”لا أريد أن أرى مليونير حرب واحدا يظهر في الولايات المتحدة نتيجة لهذه الكارثة العالمية“.

ولم يعد اقتصاد زمن الحرب تعريف ما يُعتبر دخلا مكتسبا بشكل مشروع فقط، بل كما أكد المؤرخ ”مارك ويلسون“، أدى إلى ابتكار قانون ”إعادة التفاوض القانونية“ في الولايات المتحدة، الذي سمح للحكومة بإعادة النظر في العقود الخاصة التامة، والمطالبة بأسعار أقل في الحالات التي تم فيها فرض رسوم إضافية عليها من قِبل موردي القطاع الخاص.

وعلى الرغم من أن هذه الإستراتيجية كانت محتقرة على نطاق واسع بين الصناعيين، إلا أنها سمحت للحكومة بتجنب إهدار المال العام بسبب تلاعب المقاولين بالأسعار. وفي التخطيط الحضري وسياسة المدينة، تعرض الملاك للتدقيق باعتبارهم مستفيدين محتملين من الحرب السكنية.

وتسببت الحرب العالمية الأولى في جعل الإيجار الثابت ممارسة واسعة الانتشار في الديمقراطيات الرأسمالية، فمع زيادة أعداد الناس الذين يعملون ويعيشون في المدن، كانت هناك ضرورة لإبقاء تكلفة المعيشة في متناول متوسط دخل العامل، وأدت قوانين الحد الأدنى للأجور نفس الوظيفة، ما ضمن حصول العمال على نصيبهم العادل من مكاسب زمن الحرب.

ماذا عن كوفيد 19؟

وتقدم آليات التضامن الاقتصادية للحرب أفكارا قيّمة حول كيفية معالجة وباء كورونا الحالي، حيث يمكن فرض ضرائب على أرباح شركات الأدوية ووسطاء الرعاية الصحية الزائدة لضمان عدم استغلالهم لأزمة الفيروس.

ويبدو أنه يجب على الكونغرس أيضا دراسة إعادة قانون إعادة التفاوض لعام 1951، ليتمكن من إعادة النظر في عقود الإمدادات الطبية التي فرضت فيها شركات القطاع الخاص أسعارا مبالغا فيها، ويجب وضع حد أقصى لحدود الإيجار والحد الأدنى للأجور لتخفيف الضغوط على ميزانيات الأسر المعيشية.

كما يمكن للحكومة الأمريكية استخدام قانون ”نزع الملكية للمنفعة العامة“ للاستحواذ على المساكن الخاصة الفارغة والفنادق والمتنزهات والمساحات الأخرى اللازمة لتوسيع قدرة الرعاية الصحية الطارئة.

واقترح ”جيمس غالبريث“ أنه يمكن استخدام الشركات اللوجستية الكبيرة مثل Amazon وWalmart وFedEx كمرافق عامة، وتشغيل سائقي أوبر المتعطلين عن العمل كموظفي توصيل إضافيين.

تغير المناخ

وبينما يتوقع العالم ارتفاع حصيلة القتلى، إلا أننا نعلم أن الوباء سينتهي في نهاية المطاف، ولكن وراء حل أزمة كوفيد-19 تلوح مشكلة أخرى: تغير المناخ.

فهل ستخرجنا الاستجابة الطارئة للمرض من مقلاة الفيروس إلى نار الأزمة المناخية؟ فالتحدي الذي نواجهه حاليا هو تعبئة العمالة والموارد غير المستخدمة في قطاعات معينة مع حماية الأرواح في بقية الاقتصاد، بما في ذلك الأرواح التي كانت ستُفقد في المستقبل بسبب التلوث الناتج عن صناعة الوقود الأحفوري المتوقفة الآن.

فبهذه الطريقة تسبب الوباء العالمي، الذي خفض انبعاثات الكربون، بإنقاذ الأرواح من خلال الحد من تلوث الهواء، وأوقف الكثير من أنماط حياتنا العادية التي تنتج الكربون بكثافة، ما يخلق فرصا لاعتماد السياسة الخضراء في جميع المجالات.

وتوفر تدابير اقتصادات الحرب نموذجا مفيدا للتفكير في السياق الأوسع لأزمة فيروس كورونا، حيث يتطلب شن حملة جادة للتخفيف من تغير المناخ استجابة كبيرة لدرجة أن العديد من تدابير الاستجابة للفيروسات لن تعتبر سوى مجرد بداية.

وعلى الرغم من الدعوات للعودة إلى الحياة الطبيعية، من الصعب تخيل الاقتصاد العالمي ما بعد الوباء، مهما كان شكله، على أنه عودة من أي نوع. وحتى لو انحسر الفيروس بعد عدة أشهر أو سنوات من الآن، فمن غير المرجح أن تنتهي الحالة الاستثنائية الحالية الأشمل في صنع السياسات والعمل الجماعي.

فقد لعبت اقتصادات الحرب في القرن العشرين دورا مهما في السماح لاقتصادات زمن السلم التي أعقبتها بالازدهار. وسيكون مفتاح حل الأزمة الآن هو الاستفادة من دروسها الخاصة بالتضامن والابتكار في المواجهة بين الفيروس التاجي والاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين، وظهور نوع جديد من المخاطر الحربية.

تابعنا على منصة غوغل لـ الأخبار

شاهد أيضاً