
تحت العنوان أعلاه، كتب أندرس فوغ راسموسن، أمين عام سابق لمنظمة حلف شمال الأطلسي ورئيس وزراء سابق للدانمرك، في صحيفة نيويورك تايمز، مقالًا جاء فيه:
عند الإعلان عن غزو روسيا الوشيك لأوكرانيا في شباط، ذكر الرئيس فلاديمير بوتين الناتو 40 مرة. كان من الواضح أنه يريد تعريف الناتو على أنه الشيطان، لكن الأمر لم يكن كذلك دائماً.
التقيت لأول مرة بالسيد بوتين عندما كنت رئيساً لوزراء الدنمارك في عام 2002. في ذلك الوقت، كان لا يزال على استعداد للانخراط والعمل مع الغرب. في هذه الفترة، كانت روسيا تساعد المهمة التي يقودها الناتو في أفغانستان في أعقاب هجوم 11 أيلول الإرهابي.
تغير كل ذلك بعد “الثورات الملونة” التي حدثت في منتصف عام 2000: إنّ رؤية الحركات الديمقراطية تتشكل في جورجيا وأوكرانيا أرعبت السيد بوتين. كان قلقاً من أن تكون روسيا هي التالية. عندما توليت منصب الأمين العام لحلف الناتو في عام 2009، أبلغني السيد بوتين ببرود أنّ المنظمة التي أشرفت عليها كانت مجرد بقايا ويجب أن تنتهي.
والمفارقة هي أنّ حرب بوتين القاسية في أوكرانيا ستحقق عكس طموحاته: سيخرج الناتو من هذه الأزمة بشكل أكبر وأقوى وأكثر اتحاداً. إنّ مشهد الدبابات الروسية التي تتدفق عبر الحدود إلى أوكرانيا حطم العديد من المعتقدات الراسخة حول الأمن في أوروبا. إنّ هذا يبدو جلياً بشكل كبير في فنلندا والسويد، حيث قالت رئيسة وزراء فنلندا سانا مارين بجفاف: “روسيا ليست الجار الذي تخيلناه.”
إنّ التغيير الذي حدث على الرأي العام هو أكثر من رائع. في العام الماضي، أظهر استطلاع سنوي للرأي أنّ 26 في المائة فقط من الفنلنديين يريدون الانضمام إلى الناتو. يوضح استطلاع أحدث أنّ هذا الرقم قد ارتفع الآن إلى 68 بالمائة. وينطبق الشيء نفسه في السويد. يدرك كلا الشعبين الآن الواقع الجديد في أوروبا. بالنسبة لهم يشنّ ديكتاتور مسؤول عن دولة مسلحة نووياً غزواً واسع النطاق لدولة مجاورة. إنّ الانضمام إلى تحالف عسكري قوي مع التزام محدد بالدفاع الجماعي هو حتماً الرد المنطقي.
يجب على فنلندا والسويد اغتنام هذه الفرصة لكي تصبحا جزءاً من الناتو. يجب على حكومتي البلدين التقدم بطلب قبل قمة الناتو في حزيران. يمكن لفنلندا والسويد الانضمام إلى الناتو بسرعة نسبياً وبدون معاناة. إنّ كلا البلدين يتماشيان بالفعل بشكل وثيق مع المنظمة، ويشاركان في تدريبات مشتركة ويلبيان بوضوح المتطلبات السياسية للعضوية، بما في ذلك نظام حكم ديمقراطي واقتصاد سوقي. في مقر الناتو، يمكن الموافقة على العضوية بين عشية وضحاها. وفي حين أنّ القرار يحتاج إلى تصديق جميع أعضاء الحلف، فإنّ إلحاح الحالة يمكن أن يعجّل بالعملية لكي تصبح جاهزة خلال بضعة أشهر فقط.
يعتبر انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو مكسباً للجانبين. سيحصل كلا البلدين على الضمان الأمني المنصوص عليه في المادة 5 من حلف الناتو بشأن الدفاع الجماعي، وبالمقابل سيحصل حلف الناتو على قدرات جديدة في منطقة ذات أهمية استراتيجية. هذه المنطقة العازلة المريحة بين روسيا وأعضاء الناتو الحاليين ستجعل من السهل الرد على أي توغل للقوات الروسية في دول البلطيق.
وبينما يستمر النقاش حول العضوية، فإنّ الحملة التي ينتهجها الكرملين ستزداد حدة. وسوف يحذر من المزيد من توسع الناتو، مدعياً أنّ الأمر سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة وجعل الحرب أكثر احتمالاً.
بالطبع، هذا ليس صحيحاً. الشخص الوحيد الذي يزعزع استقرار أوروبا هو السيد بوتين. استهدفت روسيا أوكرانيا وجورجيا قبل ذلك، وذلك لأنهم ليسوا أعضاء في الناتو. تتمثل الاستراتيجية الدولية لروسيا في التهديد، بالتصعيد من أجل إجبار الدول الأقل قوة على الخضوع، ودفع الدول الأكثر قوة نحو التقاعس عن العمل. في هذه الحرب، هدد السيد بوتين باستهداف قوافل الناتو التي تجلب الأسلحة إلى أوكرانيا وقطع إمدادات الغاز إلى أوروبا إذا لم يتم دفع الفواتير بالروبل. في كلتا هاتين القضيتين، كذّب الغرب هذه ولم يصدقوها. والنتيجة كانت أنّ التهديدات لم تتحقق.
إذا انضمت السويد وفنلندا إلى الناتو، خاصة في مواجهة مثل هذه التهديدات، فسيظهر للسيد بوتين أنّ الحرب تؤدي إلى نتائج عكسية، وأنّ الحرب تعزز فقط الوحدة الغربية والتصميم والاستعداد العسكري.
ليست فنلندا والسويد الدولتان الوحيدتان اللتان تعيدان تقييم عقيدة السياسة الخارجية في مواجهة الغزو الروسي. في جميع أنحاء أوروبا، ترفع الحكومات الإنفاق العسكري لتلبية هدف الناتو البالغ 2 في المائة. لقد آن الأوان لذلك. لفترة طويلة جداً، تحملت الولايات المتحدة حصة كبيرة جداً من العبء لضمان الأمن الأوروبي.
أما التغيير الأكثر أهمية فهو في ألمانيا. كان رفضها إنفاق المزيد من المال على الدفاع مصدراً ثابتاً للتوتر داخل حلف الناتو، الذي كاد يصل إلى نقطة الانهيار خلال رئاسة ترامب. دفعت الحرب في أوكرانيا أخيراً الحكومة الألمانية إلى التصرف. وقد التزمت بإنفاق 112.7 مليار دولار على المشتريات العسكرية وأكثر من 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع في المستقبل. كما عكست ألمانيا سياستها الطويلة الأمد المتمثلة في عدم تصدير الأسلحة إلى مناطق الصراع، وهي سياسة استندت إلى الذنب الجماعي والصدمة الناجمة عن الحرب العالمية الثانية. إنّ المواقف الجديدة للبلاد بشأن الإنفاق العسكري وصادرات الأسلحة لديها القدرة على تحويل ألمانيا إلى واحدة من أكثر الجيوش تقدماً في العالم.
على الرغم من هذه التغييرات الجديرة بالثناء، يجب على ألمانيا أن تفعل المزيد. ولا يزال المستشار أولاف شولز وزعماء سياسيون آخرون يتراجعون عن فرض العقوبات وإرسال أسلحة من العيار الثقيل إلى أوكرانيا. ولكن إذا أوقفت ألمانيا جميع واردات النفط والغاز الروسي، فإنّ السيد بوتين سيضطر إلى وقف الحرب في أوكرانيا بسرعة.
فمن غير المعقول، أنه بينما يتم ذبح الأوكرانيين، لا يزال أعضاء الناتو يرسلون مئات الملايين من اليورو كل يوم إلى خزائن السيد بوتين لشراء النفط والغاز. إنّ القادة السياسيين الذين يعارضون الوقف التام لعمليات النقل إلى روسيا، متواطئون في جرائم الحرب التي ارتكبها السيد بوتين. إنهم يدفعون بشكل غير مباشر أجور أولئك الذين ارتكبوا الفظائع في بوخا. إنّ إنهاء جميع واردات النفط والغاز الروسي سيأتي بسعر كبير، لكنه سيكون صغيراً مقارنة بالتدمير المستمر في أوكرانيا. هنا أيضاً، تتحرك فنلندا في الاتجاه الصحيح، واعدة بإنهاء اعتماد البلاد على واردات الطاقة الروسية في غضون “أسابيع أو أشهر”.
لم ينجح موقف الردع السابق لحلف الناتو مع روسيا: فقد فشل في تجنب حرب واسعة النطاق في أوروبا. إذا نجح السيد بوتين في أوكرانيا، فمن غير المرجح أن يتوقف عند هذا الحد. وسوف يستمر في اختبار الناتو أينما يرى روابط ضعيفة. إنّ الدول التي تتماشى بشكل وثيق مع التحالف الغربي ولكنها غير محمية بموجب المادة 5، مثل السويد وفنلندا، ستكون في خطر.
على مدى السنوات الـ 70 الماضية، كان الناتو حجر الأساس للأمن في أوروبا، ولخلق بيئة تزدهر فيها الحرية والديمقراطية. قد يرغب بوتين في رؤية الناتو يستسلم للتاريخ، لكنّ أفعاله في أوكرانيا تُظهر سبب الحاجة إلى الحلف الآن أكثر من أي وقت مضى.