الخميس 18 ذو الحجة 1447 ﻫ - 4 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

جنوب إفريقيا.. وجهة آمنة لأتراك فروا من ملاحقة أنقرة

يستخدم النظام التركي كل الوسائل والأدوات المتاحة لديه لإقناع مختلف الحكومات حول العالم بترحيل مواطنيها من أتباع رجل الدين التركي فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء الانقلاب الفاشل في 2016، لكن هذا النهج لم يثبت نجاحه في جنوب إفريقيا التي لجأ إليها المئات، بحسب ما نشره موقع “Balkan Insight”.

ونظراً لأن ما بدا أنه انقلاب تم تنفيذه بشكل سيئ، وفشل في الإطاحة بالرئيس رجب طيب أردوغان في 15 يوليو 2016، ومنذ ذلك الحين شرعت السلطات في أنقرة في حملة اعتقالات واسعة النطاق، ليس لها مثيل على مستوى العالم سوى بعض السوابق القليلة.

تستهدف الحملة منذ ذلك في الغالب أتباع غولن، الذي ألهمت تعاليمه حركة اجتماعية تُعرف باسم Hizmet “حزمت” (وتعني الخدمة)، والتي كان لها تأثير كبير على الحياة العامة التركية قبيل الانقلاب.

كان غولن حليفاً وثيقاً لأردوغان في سعيه لإنشاء حركة إسلامية سياسية قوية في تركيا العلمانية، ولكنه انشق عن الرئيس بعد شجبه فساد حكومة أردوغان واستبدادها.

منذ ذلك الحين، اتهم أردوغان غولن بإنشاء دولة موازية من خلال زرع أتباعه في القضاء والمؤسسات العامة الأخرى. وبعد الانقلاب مباشرة، اتهم الرئيس غولن المقيم في الولايات المتحدة بالوقوف وراء المؤامرة، وهو ما نفاه غولن بشدة.

نصف مليون معتقل
ويقول وزير الداخلية التركي إنه منذ الانقلاب ألقت أجهزة الأمن القبض على نصف مليون من المشتبه بأنهم من أتباع غولن. لكن اضطهاد أنقرة للمتشبه في تورطهم في التخطيط لإبعاد أردوغان بالقوة لم يتوقف عند حدود البلاد.

ومثلما طالبت تركيا الولايات المتحدة بتسليم غولن، تقدمت بطلبات مماثلة للحكومات في جميع أنحاء العالم، لتسليم أتباعه إلى أنقرة. كان الضغط أشد في منطقة البلقان، التي كانت تحكمها ذات يوم الإمبراطورية العثمانية التي يبجلها أردوغان.

لكن تمتد أيضاً الذراع الطويلة لآلة الدولة التركية إلى المزيد من الأراضي النائية، جنوباً حتى جنوب إفريقيا، التي تعد من أقوى الأنظمة الديمقراطية في إفريقيا، والتي لا يمكن للحكومات الأجنبية أن تتلاعب بنظامها القضائي المستقل بسهولة، بالإضافة إلى أن جنوب إفريقيا هي إحدى الدول التي يمكن للمواطنين الأتراك الدخول إليها دون الحاجة إلى تأشيرة.

ملاذ آمن
وبالتالي أصبحت جنوب إفريقيا وجهة مفضلة للعديد من أتباع غولن الفارين من تركيا لتجنب الاعتقال.

وتقول جمعية الحقوق العالمية، وهي منظمة حقوقية قريبة من “حزمت”، إن نحو 300 من الأتراك الفارين وصلوا إلى جنوب إفريقيا خلال السنوات الثلاثة الماضية.

وفى وقت لاحق، لجأ حوالي ثلثي الفارين إلى أوروبا أو أميركا، بينما استقر حوالي 100 منهم في جنوب إفريقيا كوطن مؤقت.
ويعد مسجد “نظامي” (أو نيزامي)، بالقرب من الطريق السريع من جوهانسبرغ إلى بريتوريا، نقطة التقاء شائعة للفارين من أتباع غولن في جنوب إفريقيا.

وتم افتتاح المسجد في عام 2012، وهو أكبر مسجد في النصف الجنوبي من القارة الإفريقية، وقام بتمويل بنائه علي كاتير شيوغلو، وهو من كبار رجال الأعمال الأتراك في مجال الإنشاءات والتشييد وأحد أتباع غولن.

اختار شيوغلو جنوب إفريقيا بعد أن رفضت السلطات الأميركية السماح له بأن يبني على أراضيها نسخة مماثلة لمسجد “سليم” في العاصمة العثمانية السابقة أدرنة.

ويحيط بمسجد “نظامي” مدرسة، وعيادة، ومساحة تجارية، بها متاجر ومطاعم تركية، حيث يتجمع أتراك المنفى لتناول الشاي ويناقشون أمور حياتهم الجديدة.

محاربة الفارين في أرزاقهم
أبرز الفارين هو الصحافي والفيلسوف تركمان تيرزي، الذي جاء إلى جنوب أفريقيا في عام 2009، بعدما كان يعمل مراسلاً لوكالة “جيهان” للأنباء التركية في الهند وسريلانكا.

فقد تيرزي وظيفته في عام 2016 عندما أغلق أردوغان وكالة “جيهان” ومطبوعتها الشقيقة، صحيفة “زمان”، التي اعتبرتها أنقرة جزءًا من حركة غولن، التي يشار إليها اختصارا بـFETO أو “منظمة فتح الله الإرهابية”.

تشن السفارة التركية هجمات شديدة على مقالات تيرزي في صحف جنوب إفريقيا، والتي يدين من خلالها انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا.

بعد الانقلاب بفترة وجيزة، أخبر السفير الإذاعة العامة لجنوب إفريقيا أن تيرزي كان عضواً في منظمة إرهابية وأن يديه ملطختان بالدماء، وأنه قد صدر أمر بتوقيفه إذا عاد إلى الوطن. كما يخشى تيرزي السفر إلى دول إفريقية أخرى، لأنه ربما يتم اعتقاله هناك وترحيله إلى تركيا.

مصادرة مدارس “حزمت”
حققت السلطات التركية نجاحاً في الضغط على بعض الحكومات في إفريقيا للعمل ضد بعض أتباع غولن المقيمين على أراضيها. وينطبق هذا بشكل خاص على أفقر الدول في القارة، حيث توجد في كل من غينيا والصومال والسودان والكونغو ومالي وموريتانيا والنيجر وتونس والسنغال وتشاد مدارس مرتبطة بـ”حزمت”، وبرغم أنها وفرت التعليم المجاني لعشرات الآلاف من الأطفال، إلا أنه تم إغلاق بعض هذه المدارس.

وتم تسليم البعض الأخر من المدارس إلى مؤسسة “معاريف”، وهي مؤسسة أنشأتها الحكومة التركية، لكي تتولى إدارة المدارس التابعة لحركة غولن، التي يتم مصادرتها. كما سلمت كل من الجابون والسودان مواطنين أتراكا تربطهم علاقات بحزمت إلى تركيا.

ويقول الخبراء إن أردوغان استخدم نفوذه في عدد من دول العالم الإسلامي، واستغل الوعود بإقامة استثمارات، تحتاج إليها هذه الدول بشدة، لإقناع حكوماتها باحتجاز وترحيل من يصفهم بـ”الإرهابيين”.

الحكومات الإفريقية الفقيرة
وفي كلمة ألقاها أمام الجالية المسلمة المحلية خلال زيارته لجنوب إفريقيا في يوليو 2018، أثناء مشاركته في قمة البريكس، قارن أردوغان حركة غولن بتنظيمات إرهابية مثل داعش والقاعدة وحزب العمال الكردستاني.

وحث أردوغان مسلمي جنوب إفريقيا على توخي الحيطة والحذر بشأن أتباع غولن، قائلاً: “نحن (الحكومة التركية) ندرك أن FETO تحاول جذب المسلمين في جنوب إفريقيا، وخاصة من خلال المؤسسات التعليمية”، متهماً “حزمت” باستخدام “حوافز مثل التعليم، والإحسان، والحوار للتسلل” إلى الدولة التركية “على مدار 40 سنة”.

وعلى عكس حكومات الصومال أو الجابون أو السودان، لم تستسلم جنوب إفريقيا للضغوط التركية، ولا تزال ملاذاً آمنا للأتراك الفارين.

مضايقات من سفراء أردوغان
ويقتصر الاضطهاد في جنوب إفريقيا على المقاطعة التي تفرضها السفارات والقنصليات التركية، وهو إزعاج بسيط مقارنة بالمخاطر التي يواجها المنفيون في البلدان الإفريقية الأخرى.

لكنها لا تزال بمثابة صداع، حيث أخبر العديد من الأتراك الفارين “Balkan Insight” أن السفارة ترفض تقديم أي خدمات لهم، بدءاً من تجديد جوازات سفرهم. ولا يمكن لأولئك، الذين انتهت صلاحية وثائق سفرهم، التنقل إلى خارج جنوب إفريقيا.

حسين أوزديمير، 34 عاماً، رجل أعمال يعمل مع “حزمت” منذ سن 17 عاماً. ساهم بانتظام في الحركة بالتبرعات، وهرب من تركيا بعد أن استولت السلطات على الفندق الذي كان يمتلكه، بعد أسبوع واحد من الانقلاب، تحت ادعاء أن شركته كانت ترعى منظمة إرهابية.

ومنذ ذلك الحين أغلقت الحكومة جميع أعماله في تركيا، ويدير حاليا مطعماً بالقرب من المسجد، في حين بقي أولاده في تركيا مع زوجته السابقة، التي تدعم حزب “العدالة والتنمية” الحاكم.

محاكاة الاضطهاد السوفيتي
ولا يقتصر تطهير أردوغان لأتباع غولن على أولئك الذين يزعم تورطهم في محاولة الانقلاب، فعلى غرار النظام السوفيتي القديم، هناك اضطهاد أيضاً “عن طريق القرابة”، كما قال الفارون الذين أجرت “Balkan Insight” لقاءات معهم، حيث صرح أحد المهنيين الشباب، الذين لجأوا إلى جوهانسبرغ قائلا: “نحن مضطهدون بسبب ما نفكر فيه، وليس بسبب ما نفعله”.

ويقول هو وآخرون إن مجرد وجود أفراد من العائلة في “حزمت”، أو استخدام مجرد Bylock، وهو تطبيق اتصالات للهواتف الذكية شائع بين أتباع غولن، أو وجود حساب لدى بنك آسيا التابع لـ”حزمت”، يمكن أن ينتهي بك الأمر إلى المعتقل.

قُبض على طالب قانون، وهو ابن لعضو بارز في “حزمت”، في عام 2017 لاستخدامه Bylock، ولاستلام أموال أرسلها له والداه من خلال بنك آسيا. وبعد 11 شهراً في السجن، هرب من تركيا واستقر في جنوب إفريقيا. ثم اكتشف بعدئذ أن المحاكم التركية حكمت عليه بالسجن 7 سنوات بتهمة الإرهاب.

قصص حزينة
ويقول رجل أعمال من أتباع غولن، يدعى نيفي جوزور، إنه تمت إدانته كإرهابي للعمل الخيري الذي تقوم به عائلته مع “حزمت”. وقال “إنهم يقولون إن زوجتي إرهابية، لأنها تقدم الطعام للفقراء، ولكننا لن نتخلى عن أسلوب الحياة وفقاً لقيمنا”. كان عليه أن يقايض ممتلكاته في تركيا هرباً من الاعتقال، ويجمع الأموال لبدء حياة جديدة في جنوب إفريقيا.

فار آخر مدرج في القائمة السوداء في جوهانسبرغ، هو المحامي السابق كينان فاضل أوغلو، وزوجته ابنة أخت غولن. وصل إلى جنوب إفريقيا مع عائلته بعد توقف قصير في المغرب، وأوغندا، ومصر، حيث كانوا يخشون أن يتم تسليمهم إلى نظام أردوغان.
واضطر فاضل أوغلو إلى وضع حد لحياته المهنية الناجحة في القانون، ويدرس الآن اللغة الإنجليزية، ويحاول أن يجد موضعاً لقدميه في وطنه الجديد.

 

المصدر: العربية.نت