
نائبة المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط مورغان اورتاغوس
على وقع الاستهداف الإسرائيلي الذي راح ضحيته عائلة بأكملها، بما في ذلك أطفال، والذي وقع قبيل مغادرة مورغان أورتاغوس لبنان بعد اجتماع اللجنة الخماسية (المعروفة بـ”الميكانيسم” والتي تعمل كلجنة لمراقبة وقف إطلاق النار)، بدأت تتضح معالم مرحلة جديدة في الجنوب اللبناني. زيارة المبعوثة الأمريكية لم تكن مجرد نشاط دبلوماسي روتيني. غياب التصريحات العلنية وامتناعها عن عقد مؤتمرات صحفية لم يُضعف من وقع الحدث، بل زاده ثقلاً. كل خطوة، كل لقاء، وكل ظهور محسوب، حمل رسائل سياسية وأمنية تتجاوز الكلمات، وتُعبّر عن تحول واضح في أدوات الضغط الأمريكية.
من التصريح إلى التحرك: تبدّل في التكتيك أورتاغوس، التي عُرفت سابقًا بلهجتها الحادة وانتقاداتها الصريحة للمؤسسات اللبنانية، تعود اليوم بأسلوب مختلف. لا تهديدات مباشرة، بل زيارات ميدانية واجتماعات مغلقة، ورسائل تُقرأ من التوقيت والسياق. وجود السناتور ليندسي غراهام، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه حزب الله، ضمن الوفد، يعكس جدية واشنطن في مراقبة التطورات عن كثب، وربما في التحضير لمرحلة أكثر حساسية.
تزامنًا مع اجتماع اللجنة الخماسية (الميكانيسم)، أدلى غراهام بتصريحات لوسائل إعلام، أكد فيها أن نزع سلاح حزب الله ليس قابلًا للتفاوض، مشيرًا إلى أن دعوة الحكومة اللبنانية لذلك تعد “خطوة كبيرة إلى الأمام”. وشرح “الخطة ب” التي تهدف إلى إزاحة الحزب في حال فشل الحلول السلمية، وهي منح الحزب فترة زمنية للتفاوض على تسليم أسلحته الثقيلة للجيش اللبناني. وحذر من أنه إذا لم يقبل الحزب بهذه الفرصة، “يجب أن تحصل إسرائيل على الضوء الأخضر لتفعل ما تحتاج إليه”.
واستند غراهام في موقفه إلى أن الحزب “تلطخت يداه بالكثير من الدماء الأمريكية”، مشيرًا إلى أن كاش باتل، المدير السابق للتحقيقات الفيدرالية، أكد أن الحزب يمثل تهديدًا كبيرًا للولايات المتحدة، ما يبرر ضرورة دعم الجيش اللبناني ليتمكن من إزاحة الحزب.
الجيش اللبناني في قلب المعادلة
الرسالة المركزية التي حملتها أورتاغوس كانت دعمًا واضحًا للجيش اللبناني، الذي تعتبره واشنطن القوة الشرعية الوحيدة القادرة على ضبط الجنوب. مشاركتها في اجتماع اللجنة الخماسية، إلى جانب ممثلين عن فرنسا، السعودية، قطر، ومصر، تؤكد وجود تنسيق دولي عالي المستوى، هدفه منع الانفلات الأمني وتثبيت قواعد الاشتباك، وربما التمهيد لمؤتمر دعم للمؤسسة العسكرية.
حامات ورياق: تسريبات تكشف تصعيدًا ميدانيًا
في موازاة هذه التحركات، تتصاعد التسريبات حول تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في لبنان، تحديدًا في قاعدتي حامات ورياق. ناشطون على مواقع التواصل تحدثوا عن زيادة غير عادية في حركة الطيران العسكري في مطار حامات، مشيرين إلى تكثّف رحلات الطائرات الأميركية، بعضها يحمل معدات عسكرية تفوق المعتاد، وبعضها الآخر يُستخدم في تدريبات ليلية ونهارية خاصة بالقوات الجوية اللبنانية.
صور متداولة أظهرت مروحيات قتالية تحلّق فوق المطار، ما أثار تساؤلات حول طبيعة هذه التحركات، خاصة في ظل غياب أي بيان رسمي واضح يشرح حجم ونوع المعدات المنقولة. ورغم أن قيادة الجيش اللبناني أكدت أن جزءًا من هذه الحركة هو ضمن إطار المساعدات العسكرية الروتينية، إلا أن التوقيت والسياق السياسي يفتحان الباب أمام تأويلات أوسع، تتعلق باستعداد أمريكي لدعم مباشر في حال تعثرت الحلول السياسية.
يبدو أن زيارات أورتاغوس إلى لبنان ستتكرر بوتيرة متسارعة، ما يعكس تصعيدًا أمريكيًا تدريجيًا. وغياب اللقاءات السياسية عن جدول زيارتها الأخيرة يفتح باب التأويلات: هل تمثل أورتاغوس مجرد دور دبلوماسي؟ أم أنها ذراع تنفيذية لسياسة أمريكية جديدة تُطبّق على الأرض؟
في النهاية، زيارات أورتاغوس ليست عابرة، بل جزء من استراتيجية أمريكية تتطور بصمت. التحول من التصريحات إلى التحركات يعكس إدراكًا بأن المرحلة المقبلة تتطلب أدوات ضغط أكثر فعالية. وبينما تتباين المواقف المحلية تجاه خطة “درع الوطن”، يبقى التحدي الأكبر في قدرة الدولة اللبنانية على ترجمة هذا الدعم إلى خطوات عملية تُعيد الاعتبار للمؤسسات، وتُرسّخ منطق الدولة فوق منطق السلاح.