
مبنى مجلس النواب
شهدت الجلسة التشريعية الأخيرة في مجلس النواب اللبناني توترًا سياسيًا حادًا على خلفية الجدل المتصاعد حول قانون انتخاب المغتربين. فقد تحوّلت الجلسة من محطة تشريعية عادية إلى ساحة مواجهة بين الكتل السيادية والمعارضة، بعد رفض رئيس المجلس نبيه بري إدراج اقتراح قانون معجّل مكرّر يسمح للمغتربين بالاقتراع لـ128 نائبًا في دوائرهم الأصلية. هذا الرفض دفع نواب “الجمهورية القوية” و”الكتائب” والتغييريين إلى الانسحاب من الجلسة، ما أدى إلى فقدان النصاب وتعليق أعمال اللجنة الفرعية المكلفة بدراسة قانون الانتخاب.
التوتر بلغ ذروته مع تبادل الاتهامات بين النواب، واتهام بعضهم لرئيس الحكومة نواف سلام بالرضوخ لضغوط سياسية، فيما دافع عنه بري مؤكدًا أنه “رئيس حكومة كل لبنان”. في ظل هذا الانقسام، لم تُدرج التعديلات المقترحة على قانون الانتخاب، وبقيت معلّقة داخل اللجنة، ما يهدد بإرباك الاستحقاق النيابي المقبل ويطرح احتمال تأجيله إذا لم يُتوصل إلى حل سياسي يضمن مشاركة المغتربين في الانتخابات.
وبحسب أوساط سيادية مطلعة، فإن الواقع المرتبط بالجدل حول قانون الانتخاب يثير الاستغراب، بل الألم، لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، وتحديدًا المنتشرين منهم الذين يشكلون أكثرية ساحقة. فهؤلاء لم يغادروا وطنهم طوعًا أو بدافع حب السفر، بل اضطروا إلى الهجرة قسرًا نتيجة أسباب سلبية متراكمة، أبرزها فقدان الأمل بوجود غدٍ أفضل في ظل دولة مهيضة الجناح، تستقوي عليها الدويلة، وتُعطّل مؤسساتها فئة مسلحة تقفل الباب أمام الحريات والديمقراطية والسيادة، وهي شروط أساسية لبناء الدولة وانتظام الحياة العامة وفق المفهوم القانوني.
إلى جانب ذلك، شكّلت منظومة الفساد التي عبثت بالبلاد على مدى عقود سببًا جوهريًا دفع العديد من اللبنانيين إلى الهجرة، هربًا من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المزرية، وبحثًا عن رزق يحميهم من الفقر والعوز، ويقيهم من “عاديات الزمان”.
من هنا، فإن أصوات المغتربين تصب تلقائيًا في مصلحة القوى السيادية، باعتبارها القوى التي ترفع لواء تحرير لبنان من هيمنة الاحتلالات والوصايات والسلاح، وتخوض حربًا علنية ضد الفساد والمفسدين. لذلك، يعارض فريق الممانعة ومعه التيار الوطني الحر اقتراع المغتربين في دوائرهم الأصلية داخل الوطن، لأنهم يدركون أن هذه الأصوات قادرة على تغيير نتائج الانتخابات لصالح القوى السيادية، كما حصل في انتخابات 2022، حيث كان للاغتراب دور حاسم في تعزيز موقع هذه القوى، لا سيما القوات اللبنانية لدى المسيحيين، والقوى التغييرية لدى مختلف الطوائف.
وفي محاولة للحد من تأثير المغتربين، يسعى فريق الممانعة إلى استبدال اقتراعهم في دوائرهم الأصلية بالاكتفاء بستة مقاعد نيابية تمثل القارات الست، وهي بدعة يصعب فهمها، وتضع الناخب أمام تحديات كبيرة في اختيار ممثلين عن مناطق تفوق حجم لبنان آلاف المرات، فضلًا عن انعدام التواصل الفعلي بين المرشحين والناخبين.
الأخطر من ذلك أن تغليب خيار المقاعد الستة يعني عمليًا استبعاد أكثر من مليون صوت من اللبنانيين المغتربين الذين يحملون الهوية اللبنانية، ويتساوون في الحقوق مع المقيمين، بما في ذلك حق انتخاب نوابهم في مناطقهم، بلداتهم، وأحيائهم. وهذا بحد ذاته استفزاز للواقع الاغترابي، ومحاولة لفصلهم عن جذورهم وتاريخهم، عبر الاكتفاء بمقاعد هجينة لا هوية لها ولا علاقة فعلية بلبنان.
لهذا، يبرز اعتراض واسع لدى المنتشرين على هذه البدعة، وهم في طور تنظيم تحركات في بلدان ومدن عدة في ديار الاغتراب. كما أن الكنيسة سبق أن اتخذت موقفًا حاسمًا مؤيدًا لعودة المغتربين للاقتراع في دوائرهم الأصلية، وأعدت خطة متكاملة يتولى متابعتها المطارنة بالتعاون مع كهنة الرعايا لتعزيز هذا الخيار.
في المقابل، تستغرب الأوساط السيادية الموقف الرمادي لرئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام حيال هذه المسألة، رغم أن أكثرية النواب سبق أن أعلنوا تأييدهم لإلغاء المقاعد الستة والعودة إلى القانون المعتمد في دورة 2022. لذلك، تستعد القوى السيادية والتغييرية لخوض معركة جديدة تحت قبة البرلمان، سعيًا لفرض إلغاء هذه المقاعد، خصوصًا أن رئيس المجلس نبيه بري يخالف الدستور والقانون والنظام الداخلي للمجلس عبر حجز اقتراح القانون المعجل المكرر لإلغاء هذه المقاعد.