
دخان يتصاعد فوق قرية كفرتبنيت في جنوب لبنان، بعد غارة إسرائيلية، 18 سبتمبر 2025. رويترز
وسط ترقّب عالمي، ارتفعت في غزة أعلام “الهدنة الأولى”، إيذانًا ببدء تنفيذ اتفاق تاريخي لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والجثامين، برعاية أميركية–إقليمية مكثفة. هذا الاتفاق يُتوّج جهودًا دبلوماسية ضخمة، ويُمهّد لمرحلة جديدة في الصراع عنوانها “التهدئة مقابل التفكيك” في الساحة الفلسطينية. هذا الاتفاق سيوجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بزيارته لمصر وإسرائيل، ليُطلق بنفسه “صفارة السلام”، في مشهد رمزي يُراد له أن يُغلق جبهة غزة بنجاح شخصي. لكن، وبينما يتنفس القطاع الصعداء وسط ترقب تعثر بنود الاتفاق، لا سيما فيما يرتبط بملف الأسرى الذين هم في عداد الأموات، تتجه الأنظار إلى الجنوب اللبناني الذي يعيش على وقع توتر متصاعد.
هنا، يبرز السؤال الأهم: هل سيكافئ الرئيس ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي قدّم الطاعة للأول بموافقته غير المشروطة على بنود الاتفاق؟ الأوراق تشير إلى أن ترامب، خفّض منسوب اهتمامه بلبنان ،وهذا الامر تجلى بموقفه تجاه الرئيس جوزاف عون في الأمم المتحدة، من خلال عدم لقائه على هامش اجتماع الجمعية العامة وتركيزه فقط على تتويج نجاحه بإنهاء ملف غزة، من خلال الكلمة التي سيلقيها امام الكنيست الاسرائيلي ، وهذا ما يطرح السؤال هل سيطلق الرئيس الاميركي يد نتانياهو في سماء لبنان، نتيجة الغموض الذي يلف ملف سلاح حزب الله ، وانخفاض منسوب زيارات الموفدين الاميركيين الى لبنان ، التي ختمتها مورغان اورتاغوس بزيارة الجنوب اللبناني والمشاركة في اجتماع لجنة “لجنة الميكانيزم” أو “اللجنة الخماسية” التي تشرف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.
رسائل نارية للقرار السياسي
فجر اليوم ،تجاوز التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان حدود “قواعد الاشتباك” التقليدية، ليصل إلى نقطة تلامس الخطوط الحمراء. حيث اهتزّت مناطق الجنوب باستهداف المصيلح المنطقة المحيطة بـ “القصر الرئاسي الثاني”، مقر رئيس مجلس النواب، نبيه بري.
تتصنف بعض المصادر هذه الاستهدافات في خانة الرسائل النارية المباشرة للناطق والممثل للـ “الثنائي”، الرئيس بري، الذي بات ميدانه يفتقد لزيارات الشخصيات السياسية الأمريكية منذ الزيارة الأخيرة التي قام بها المبعوث توم باراك برفقة السيناتور ليندسي غراهام ومورغان أورتاغوس. هذا التصعيد المتعمد يأتي في ظل فراغ سياسي داخلي خانق، وانهيار اقتصادي مزمن، وتراجع في الدعم الإقليمي لبعض الأطراف، ما يجعل الجنوب ساحة مفتوحة على احتمالات الانفجار. الاستهداف الموجه لمحيط صاحب المطرقة التي توجه المجتمعين تحت قبة البرلمان وفق أجندته ،كما ظهر جلياً في موضوع قانون انتخابات المغتربين الذي أطاحت به مطرقته، يؤكد أن إسرائيل تستهدف مراكز الثقل السياسي اللبناني.
غموض “داعش الوظيفي” إلى شبكات التجسس
من جهة أخرى، نرى الساحة الداخلية تتخبط في ملفات أمنية لم تسلك طريقها إلى الخاتمة، تظهر خيوطها ثم تقبع خلف الستائر لتفسح المجال أمام ملفات أخرى. ظهرت “داعش” في وقت سابق في أكثر من منطقة، حيث تزاحمت الخلايا ووصلت إلى قلب الضاحية. هذه التنظيمات، التي نُسب ظهورها إلى الهشاشة الأمنية، سرعان ما انطفأت وغابت أخبارها عن الساحة الإعلامية والسياسية، وكأنها اختفت فجأة دون أن تُحسم ملفاتها بالكامل. إن السرعة التي تم بها “طي الصفحة” دون توضيحات عميقة حول مصدر تمويلها أو دوافع ظهورها المفاجئ، تترك دائماً مساحة واسعة للتساؤل حول الأيادي الخفية التي ربما حركت هذه الأوراق ثم قررت سحبها.
هذا الغموض يتوازى مع ملفات أخرى، مثل قضية الفنان فضل شاكر، الذي سلّم نفسه. ورغم تسليم نفسه، لا يزال ملفه يُعالج خلف الأبواب المغلقة، ولم يُوضع بعد أمام المحكمة العسكرية بشكل واضح. وفي خضم هذا الغموض المُتراكم، انشغلت الساحة اللبنانية مؤخرًا بتفكيك شبكة تجسس إسرائيلية كانت تستهدف مرقد الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله. العملية جرت بتعاون نادر بين الجهاز الأمني لحزب الله والقوى الأمنية اللبنانية، مما يطرح التساؤل حول مدى هذا التعاون ورؤية الراعي الأمريكي تجاهه.
بين سحب السلاح وتحدي “ساعة الصفر”
في ظل مشهد البدء بتنفيذ بنود اتفاق غزة، يتقدم المشهد اللبناني كملف يأتي في المرتبة الثانية. لبنان، المحيط الأقرب “للكيان الإسرائيلي” جغرافياً، ينتظر تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار، وعلى رأسها سحب سلاح “حزب الله”. الجيش اللبناني بدأ فعلياً بتنفيذ الخطة التي رحبت بها الحكومة، ووضع تقريراً يفند فيه نتائج المرحلة الأولى من الاتفاق، وذلك كله يجري على وقع الاستهدافات الإسرائيلية اليومية لمواقع يعتبرها الجيش الإسرائيلي مراكز تخزين وتحصينات للحزب.
يقف لبنان اليوم على مفترق طرق خطير،إما الانخراط في حل إقليمي يُحتّم تراجع النفوذ، أو مواجهة عسكرية قد تدفع فيها الدولة اللبنانية بأسرها الثمن الأكبر على أبواب التسوية الكبرى.