
سجن رومية
في لحظة سياسية وقضائية مفصلية، تتحرك بيروت على وقع وصول وفدين سوريين متتاليين. افتتح المسار وزير الخارجية أسعد الشيباني الذي وصل إلى بيروت عبر مطار رفيق الحريري الدولي، قاطعاً بذلك العادة التي كانت سائدة في حقبة حكم آل الأسد، حيث كان المسؤولون السوريون يعبرون معبر المصنع الحدودي، وهو خط اعتاد اللبنانيون اعتباره رمزاً للهيمنة. والثاني برئاسة وزير العدل مظهر الويس. هذه التحركات لم تكن مجرّد نشاط دبلوماسي عابر، بل جاءت لتؤكد أن ملف السجناء اللبنانيين والسوريين ، بات في صلب التجاذبات الداخلية والإقليمية، ويمثل اختبارًا مزدوجًا لسيادة الدولة اللبنانية وعدالة قضائها. إنه مأزق مزدوج.بينما يُعدّ ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، والبالغ عددهم أكثر من 2200 شخص، أولوية قصوى لدمشق، يتصاعد الغضب اللبناني من تهميش ملف الموقوفين اللبنانيين، الذين يعتبرون أنفسهم ضحايا استغلال سياسي وطائفي للقضاء.
جرح المظلومية العميقة
ملف الموقوفين اللبنانيين، لا سيما ما يُعرف بـ”مظلومية الموقوفين الإسلاميين”، يمثل عبئًا داخليًا لا يمكن تجاوزه بصفقات إقليمية. هؤلاء الموقوفون يعتبرون أنفسهم ضحايا محاكمات مسيّسة، وقد عاد جرحهم إلى الواجهة بعد تسليم الفنان فضل شاكر نفسه، وما تبعه من تداول تسجيلات تُشكك في الرواية الرسمية لأحداث عبرا. إن ملف عبرا يعيد إشعال الجدل مجدداً، حيث بدأ ناشطون بتداول مشاهد من المعركة، في محاولة لإثبات وجود روايات مغايرة لما تم اعتماده قضائيًا. وتتعاظم الشكوك لسببين،الأول هو رفض الأدلة المطلوبة، حيث قوبلت مطالبات وكلاء الدفاع عن الشيخ أحمد الأسير وعلى رأسهم المحامي محمد صبلوح ،بالحصول على تقارير فنية حول نوع الأسلحة ومسافات إطلاق النار، بالرفض، كما رُفض التحقيق في مشاركة عناصر من “حزب الله” و”سرايا المقاومة”. والسبب الثاني يدخل في الاطار القانوي ، فالعديد من الملفات الأمنية تشمل متهمين لبنانيين وسوريين معًا، وتسليم السوريين قبل انتهاء المحاكمات قد يُضعف الأدلة ويُربك سير العدالة. ولذلك، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام بوضوح أن “اللبناني قبل السوري”، وتسعى الحكومة إلى إنهاء هذا الملف قبل الانتخابات عبر إخلاء سبيل من اعتُقلوا على الشبهة، وتسريع المحاكمات، ودعم مشروع قانون لتخفيض السنة السجنية، وتحديد سقف زمني للأحكام المؤبدة والإعدامات.
رحلة إعلان نهاية الوصاية السورية
التحركات السورية الأخيرة جاءت في سياق إعادة التموضع الإقليمي، وتوزعت على مسارين منفصلين ومترابطين. أولًا، إعلان الشيباني نهاية الوصاية حيث كانت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت هي الأولى، وشكّلت إعلانًا واضحًا عن تحوّل جذري في العقيدة السياسية السورية تجاه لبنان، إذ أكد على احترام سيادة لبنان وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، مشيرًا إلى رغبة دمشق في بناء شراكة متطورة قائمة على الاحترام المتبادل، لا على الهيمنة. وقد دعمت دمشق هذه الرسائل بقرار تعليق العمل بالمجلس الأعلى السوري اللبناني، في خطوة رمزية لإنهاء أدوات الحقبة السابقة. ثانيًا، زيارة وزير العدل السوري مظفر الويس على رأس وفد قضائي، لمتابعة الملفات العالقة، وفي مقدمتها قضية الموقوفين السوريين. وقد تم التوصل إلى تقدم جوهري في صياغة اتفاقية تعاون قضائي، مع تأكيد وزير العدل اللبناني عادل نصار على رفض تسليم المتهمين بالتورط في مواجهات أو أحداث أمنية داخل لبنان.
ملف السجناء يفتح أبواب الذاكرة
في مقابل التقدم في ملف السجناء، أبدت دمشق تجاوبًا لافتًا مع ملفات الماضي، متعهدة بالتعاون الكامل في ملف اللبنانيين المخفيين قسرًا عبر تقديم المعلومات المتوفرة وتفعيل لجنة المتابعة، وملف الاغتيالات السياسية من خلال البحث عن المستندات والملفات المرتبطة بجرائم الاغتيال خلال عهد النظام السابق، إضافة إلى تبادل المطلوبين ضمن إطار قانوني. لكن هذا التجاوب السوري يأتي في ظل غياب لافت لمعظم رموز الحقبة السابقة ،فالكثير منهم إما قُتل أو توفي او تمت تصفيته بأوامر من رأس النظام أو لجأ إلى الخارج، ما يطرح تساؤلات جوهرية أن كان هذا الغياب سيتيح للسلطات السورية الجديدة هامشًا أوسع للتعاون دون الاصطدام برموز الحقبة السابقة؟في المحصلة، تمثل صفقة السجون الإقليمية اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة اللبنانية على تكريس العدالة واستعادة ثقة مواطنيها، لا سيما في ملف الموقوفين اللبنانيين، بعيدًا عن الضغوط الإقليمية والحسابات الطائفية. أما دمشق، فترى في هذا المسار فرصة لإعادة التموضع، وفتح صفحة جديدة مع لبنان، عنوانها السيادة، لا الوصاية… والشراكة، لا الهيمنة.