
رقعة شطرنج بين علمي الولايات المتحدة وإيران (رويترز)
لم تعد ساحة الصراع مع إيران مقتصرة على الشرق الأوسط؛ ففي ظل تصاعد التوترات وكشف التسريبات الأخيرة، بات جلياً أن العقوبات الأمريكية تستهدف شبكة معقدة تربط طهران بنشاط إجرامي واسع يمتد من الإرهاب إلى تجارة المخدرات في عمق أمريكا اللاتينية. هذه الإجراءات ليست عشوائية، بل هي ضربات استراتيجية تستهدف مناطق تتداخل فيها مصالح المهربين مع الأذرع الإيرانية، مما يؤكد تغلغل نفوذ طهران في شبكات الجريمة العابرة للحدود. هذا المشهد يضع الحرب على فنزويلا في إطار أمني مباشر، حيث باتت تجارة المخدرات تشكل تهديداً استراتيجياً مدعوماً من جهات مرتبطة بإيران. رداً على هذا التمدد الخطير، أطلق الكونغرس مشروع قانون “لا لحزب الله في نصفنا الغربي” (H.R. 3315)، معلناً بذلك معركة كبرى لإغلاق الملاذات الآمنة لتمويل الإرهاب في القارة. يُذكر أن مشروع القانون، الذي قدّمه النائب الجمهوري جو ويلسون في 8 مايو 2025، لا يزال قيد الدراسة داخل لجنتي القضاء والشؤون الخارجية، لكن مجرد طرحه يُعد إعلاناً أمريكياً عن تصعيد تشريعي وأمني حاسم لمواجهة النفوذ الإيراني. رغم أن مشروع القانون (H.R. 3315) لا يزال قيد الدراسة ولم يُقر بعد، إلا أن العمليات الأمريكية ضد شبكات التهريب المرتبطة بحزب الله لم تتوقف، بل تصاعدت خلال أكتوبر. فقد نفذت القوات الأمريكية عدة غارات بحرية، أبرزها عملية في شرق المحيط الهادئ أسفرت عن مقتل ثلاثة “إرهابيين مخدرات”، وأخرى قبالة سواحل فنزويلا أدت إلى مقتل أربعة مهربين. هذه التحركات العسكرية تعكس جدية واشنطن في استهداف شبكات التمويل غير المشروع حتى قبل تحويل المشروع إلى قانون نافذ.
فنزويلا تتحول إلى منصة متقدمة لعمليات طهران
في خطوة جريئة تمثل إعلان مواجهة شاملة، لم يعد الخطر مقتصراً على الشرق الأوسط، بل تحول إلى تهديد مباشر يتغلغل في “الفناء الخلفي” للولايات المتحدة. مشروع القانون يضع تمدد نفوذ إيران ووكيلها اللبناني في أمريكا اللاتينية تحت سيف العقوبات، مؤكداً أن حزب الله شيّد شبكات عمليات وتمويل تستغل الإفلات من العقاب والتقاعس القانوني المتاح في المنطقة. التحركات التشريعية الأمريكية تستند إلى نتائج مقلقة تُظهر أن النفوذ الإيراني أصبح متمكناً عبر قاعدة عمليات لوجستية واقتصادية راسخة. فبفضل الدعم اللامحدود من أنظمة استبدادية، وعلى رأسها نظام نيكولاس مادورو، تحوّلت فنزويلا فعلياً إلى منصة انطلاق متقدمة لعمليات طهران وحلفائها. وتتغذى هذه الشبكات من خلال نشاط إجرامي معقد؛ حيث تركز جهود حزب الله على غسل الأموال، وعمليات التهريب، والتسلل إلى الشبكات الإجرامية لتمويل أنشطته. هذا التحول الصارخ من أجندة سياسية إلى شبكة تمويل عابرة للقارات هو ما أجبر واشنطن على التحرك بعنف وحسم غير مسبوق.
استراتيجية العزل
يظل التحدي الأبرز في هذه المعركة هو الثغرة القانونية الخطيرة إذ أن غالبية دول المنطقة لا تصنّف حزب الله كمنظمة إرهابية، مما يمنحه حصانة غير مباشرة تعيق جهود المراقبة والمقاضاة المحلية بفعالية. لتفكيك هذه الشبكة، تبنّى الكونغرس استراتيجية ضغط قصوى متعددة الأوجه، تبدأ بالمطالبة بإنهاء أي حماية أو حصانة لأفراد وكيانات حزب الله بشكل فوري، مهدداً الحكومات المتقاعسة بعقوبات مباشرة. كما يتم تفعيل الضغط المالي الدولي عبر التعاون مع جهات رئيسية مثل FATF (فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية)، التي تُصدر قوائم مثل “القائمة الرمادية” للضغط على الحكومات المتساهلة مالياً. وتعمل واشنطن بجد أيضاً على توحيد التصنيف الإرهابي وإقناع الحلفاء بتبني تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية، باستخدام النموذج القانوني للأرجنتين كمرجعية لسد هذه الثغرات التشريعية. ويكمل القانون هذه الاستراتيجية بالتوصية بتزويد الدول اللاتينية بالأدوات القانونية والتقنية اللازمة لتعزيز قدرتها على مكافحة تمويل الإرهاب والتحقيق في الأنشطة المشبوهة.
سيف العقوبات الرئاسي
لضمان فاعلية هذه الإجراءات، وضع مشروع القانون آليات تنفيذية صارمة تتركز تحت السلطة الرئاسية. يُلزم القانون وزير الخارجية الأمريكي، خلال ستة أشهر من إقراره، بإجراء تقييم شامل لتحديد أي ولاية قضائية في أمريكا اللاتينية تتسامح مع أنشطة حزب الله، تمهيداً لتصنيفها رسمياً “ملاذاً إرهابياً”. والأهم، يمنح القانون الرئيس الأمريكي صلاحية فرض عقوبات شخصية مباشرة وصارمة تشمل الإلغاء الفوري للتأشيرات ومنع الدخول إلى الولايات المتحدة، على أي مسؤول حكومي يثبت تورطه أو تقاعسه عن مواجهة هذه الأنشطة. بهذا، يتحول مشروع “لا لحزب الله في نصفنا الغربي” من مجرد وثيقة تشريعية إلى إعلان صريح لا لبس فيه بأن أمريكا اللاتينية لم تعد مساحة مفتوحة لتمويل الإرهاب، ويُعيد رسم خطوط المواجهة في المعركة العالمية ضد النفوذ الإيراني ووكيله.