الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

انتهاء زيارة البابا يشرع المشهد.. باراك يطلق إنذاراً من بغداد لفصل ساحات "حزب الله"

تسود الأجواء اللبنانية حالة من الترقب الحذر مع اقتراب انتهاء زيارة البابا لاوون الرابع عشر للبنان، حيث تتزايد المؤشرات على أن إسرائيل تستعد لعملية عسكرية ضد “حزب الله”. ومع مغادرة البابا، يبدو أن لبنان سيدخل مرحلة انتظار مصيرية، إذ يربط مراقبون بين توقف التهديدات المعلنة مؤقتا خلال الزيارة وبين استعداد إسرائيل لتوجيه ضربة قاسية فور انتهائها. في هذا المناخ المشحون، برزت تحركات المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، الذي اختار بغداد منصة لإطلاق تحذيراته الأخيرة، في خطوة يقرأها البعض كمحاولة لعزل الساحات الإيرانية عن المشهد اللبناني وإعادة رسم حدود المواجهة.

وفي هذا السياق ، لا بد من العودة الى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة عن “حزب الله” ولبنان والتي جاءت بنبرة تحذيرية، حيث وصف الحزب بانه ”مشكلة كبيرة” ولوح بخيارات ضده إذا استمر في التمسك بسلاحه، مشدد على أَن لبنان يقف عند مفترق طرق تاريخي بين الاندماج في مشروع الدولة أَو مواجهة ضغوط متصاعدة.

تحركات باراك الأخيرة، والتي يمكن اعتبارها تنفيذا عمليا لموقف الرئيس ترامب، أظهرت تحولا في دوره. فباراك الذي كان ينظر إليه سابقا كناقل رسائل دبلوماسية هادئة، تحول اليوم إلى منذر صريح من العواقب الوخيمة. تجدر الإشارة إلى أَن باراك كان قد وصف الدولة اللبنانية بـ “الفاشلة” في وقت سابق ، وهو توصيف استراتيجي أثار زوبعة على الساحة اللبنانية لـ ما حمله من امتعاض واسع، وهو يهدف إلى رفع الغطاء عنها والصاق المسؤولية الكاملة بها في مواجهة تمدد “حزب الله”. هذا التحول لم يقتصر على الخطاب، بل تجسد عمليا في لقاءاته الإقليمية، حيث حمل إلى بغداد ما وصف بانه “رسالة أَمريكية”، لكنها في جوهرها لم تكن سوى ما نقله باراك نفسه خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني على مدى أكثر من ساعة.

الرسالة التي نقلها باراك تضمنت تحذيرا مباشرا من اقتراب عملية عسكرية إسرائيلية ضد “حزب الله”، مع تأكيد أَن الهجوم إذا وقع سيستمر حتى نزع سلاح الحزب بالكامل. كما شدد على أن أي تدخل من فصائل عراقية دعما لـ “حزب الله” سيواجه برد إسرائيلي قاس، وان إسرائيل لن تتردد في قصف داخل العراق إذا اقتضت الحاجة، فيما واشنطن لن تتمكن من إيقاف الرد. هذه الصياغة القاسية تكشف أَن الموقف الأمريكي لم يعد مجرد محاولة للتوفيق، بل إِنذار بانتهاء المهلة، ورسالة مزدوجة مفادها أَن العراق يجب أن ينأى بنفسه عن أي مواجهة محتملة، وان إيران وحلفاءها لن يجدوا مساحة آمنة للتدخل.

لكن الدلالات الأبعد تشير إلى أن الضربة على لبنان تبدو وقد نالت ضوءا أخضر أَمريكيا. فتصريحات الرئيس ترامب المحذرة تزامنت مع جولة باراك التحذيرية في المنطقة. يضاف إلى ذلك، تسريبات تشير إلى أَن الرئيس الاسرائيلي اسحق هرتسوغ قد ينظر في منح رئيس الوزراء نتنياهو عفوا مشروطا في ملفات محاكمته مقابل أَن يكمل العمليات العسكرية الميدانية ضد أهداف في لبنان وإيران. هذه العوامل الثلاثة مجتمعة ترسم صورة متكاملة لتحول جذري في الموقف الأمريكي، يتجاوز التهديد اللفظي إلى الترتيب العملي للخطوات العسكرية المرتقبة.

الساحات المتقاطعة

لكن المشهد لا يقتصر على لبنان والعراق وحدهما. ففي جنوب سوريا، وقعت أحداث ميدانية في بيت جن لم تتضح بعد أهدافها الإسرائيلية ولا طبيعة ردات الفعل عليها، إلا أن ما جرى شكل ضربة موجعة للجيش الإسرائيلي الذي تعرض إلى كمين في المنطقة، وتكبد خسائر بشرية غير متوقعة. هذه التطورات الميدانية تضيف طبقة جديدة من الغموض إلى المشهد، إذ تظهر أن إسرائيل نفسها تواجه تحديات غير محسوبة على جبهات أخرى، ما يضع علامات استفهام حول توقيت الضربة المحتملة ضد “حزب الله”، وحول قدرة “تل أبيب” على إدارة أكثر من ساحة في آن واحد.
التقديرات الأمريكية تشير إلى احتمال تحرك إيراني أَو تقديم دعم مالي وعسكري من حلفاء طهران في العراق لصالح “حزب الله”، وهو ما يفسر اختيار باراك لـ بغداد كمنصة لتحذيراته.

بين بيروت وبغداد وجنوب سوريا، تتقاطع الرسائل الأمريكية والإسرائيلية لترسم معادلة جديدة… لبنان على أعتاب مواجهة مفتوحة، والعراق أَمام اختبار صعب، فيما يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كان باراك يخطط فعلا لعزل الساحات الإيرانية عن المشهد اللبناني، أم أنه مجرد انذار مباشر يسبق لحظة الصفر. وفي كل الأحوال، فان المشهد الإقليمي بات محكوما بمعادلة تجمع بين الاستعدادات الإسرائيلية الميدانية والغطاء السياسي الأمريكي الجديد الذي كسر قواعد اللعبة الدبلوماسية، ليترك المنطقة أمام احتمالات مفتوحة لا تقل خطورة عن الرسائل التي حملها باراك في زيارته الأخيرة.