
الرئيس الأمريكي ترامب يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في واشنطن
يستقبل لبنان نهاية عام 2025 وهو مطوق بسياج من العزلة الدولية التي تجاوزت حدود التحذير التقليدي لتلامس سقف الطوارئ الشاملة. فبينما ينصرف الشارع اللبناني لتأمين معيشته بشتى الوسائل المتاحة، كانت كواليس السفارات ترسم مسارا مغايرا، حيث وضعت الإدارة الأمريكية البلاد تحت مجهر المستوى الرابع الذي يعني … “لا تسافر”، وهو التصنيف الذي يضع لبنان وكأنه أمام مواجهة أو حرب حقيقية، محذرة من انفجار أمني مفاجئ قد يعيق قدرة السفارة في عوكر على تقديم المساعدة القنصلية، مع التأكيد الصارم على أن عمليات الإخلاء الحكومية ليست مضمونة وعلى الأفراد المغادرين تحمل مسؤولية قراراتهم طالما أن الرحلات التجارية لا تزال متاحة.
وفي موازاة ذلك، انتهجت لندن سياسة الفرز الجغرافي عبر تحديد نطاقات حمراء شملت الجنوب والبقاع بالكامل جنوب نهر الليطاني، وقضاء بعلبك الهرمل والحدود الشرقية، إضافة إلى المربعات الأمنية في الضاحية الجنوبية لبيروت مثل حارة حريك والغبيري، فضلاً عن مدينة طرابلس ومحيطها وكافة مخيمات اللاجئين الفلسطينية والسورية على الأراضي اللبنانية.
قمة ترامب نتنياهو وزمن الحلول
في قلب هذا الانسداد السياسي، تبرز متانة الروابط بين الرئيس الاميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو كقوة دفع أساسية لإعادة صياغة توازنات المنطقة، حيث تظهر دلالات ثبات هذه العلاقة بشكل موضوعي يتجاوز التكتيك السياسي المؤقت. وقد أظهر ترامب تمسكا غير مسبوق بنتنياهو حين ضغط بقوة خلال زيارته الأخيرة لإسرائيل للعفو عنه في ملفاته الداخلية، وهو ما نجح فيه فعليا، مما أعاد نتنياهو إلى الطاولة كحليف مدعوم بالكامل من الإدارة الأمريكية الجديدة. هذا التلاقي الاستراتيجي يترجم الآن إلى تفويض مفتوح في الملف اللبناني، حيث يسود توافق بأن المعالجة التقليدية لم تعد تجدي، وأن تصنيف لبنان كمنطقة محظورة دولياً يمهد الطريق لفرض واقع سياسي وأمني جديد يتلاقى مع طموحات نتنياهو في تأمين الحدود الشمالية وتفكيك مراكز القوة المعارضة له.
وتكشف تقارير صحيفة “واشنطن بوست” في هذا السياق عن تقديرات استخباراتية تفيد بأن إسرائيل تضع اللمسات الأخيرة لشن ضربة عسكرية واسعة النطاق لا تقتصر على الأهداف التقليدية، بل قد تطال مراكز لوجستية وحساسة وشرايين حياة مثل مطار رفيق الحريري الدولي والمرافئ ومنشآت الطاقة لفرض حصار مطبق وشل القدرة اللوجستية للدولة تماماً. وبناء عليه، تصبح تحذيرات السفر الدولية بمثابة إخلاء مسؤولية ، قانوني وأخلاقي قبل وقوع الانفجار الكبير، وتحولا فعليا من لغة الحوار الدبلوماسي إلى لغة الخرائط والضربات الموضعية الحاسمة.
الميدان اللبناني في فوهة التغيير
تتعزز هذه القراءة بالنظر إلى التطابق المريب بين المناطق الحمراء التي حددتها بريطانيا وبين بنك الأهداف المسرب، مما يوحي بأن العزل الدبلوماسي لهذه الجغرافيا ليس إلا تمهيدا لتسهيل التعامل العنيف معها عسكريا أو سياسيا. وتأتي نبرة السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي زار لبنان وتمكن من تلمس الواقع اللبناني بشكل مباشر، لتضع الإطار الفكري لهذا التوجه، بوصفه المواجهة بأنها حرب حضارية ضد من سماهم النازيين الدينيين. غراهام هاجم سياسات باراك اوباما وجو بايدن، ووصفها بمعاول الهدم، داعياً بوضوح لاستنساخ نماذج الحسم التاريخية التي شهدتها الحرب العالمية الثانية بتدمير الأعداء تماماً ثم البدء ببناء السلام فوق الرماد، معتبراً أن نزع السلاح بالوسائل التقليدية هو حماقة لا تمنع الخطر.
هذا المناخ يضع لبنان و”حزب الله” و”حماس” أمام استراتيجية أمريكية ترفض الحلول الوسط وتتبنى لغة الضربات الموضعية. إن زيارة نتنياهو لواشنطن في اواخر الشهر الجاري، ليست مجرد لقاء عادي بل قمة لرسم المصير، ستحدد وجه المنطقة من غزة إلى لبنان وصولا إلى سوريا، حيث يشير التناغم بين لغة التحذير التي يستخدمها ترامب ولغة القوة التي يفضلها نتنياهو، وهذا الامر يؤشر الى أن المعالجة القادمة للملف اللبناني ستكون على الطريقة التي يفضلها الرجلان، الحسم وتجاوز الخطوط الحمراء القديمة. في نهاية المطاف، يبدو أن لبنان دخل غرفة الانتظار الدولية، حيث تحدد مصيره التفاهمات الكبرى بين الرئيس ترامب الذي لا يؤمن بالحلول الرمادية، ورئيس وزراء إسرائيلي يرى في هذه اللحظة التاريخية فرصة لتحقيق طموحاته الإقليمية المؤجلة تحت غطاء إدارة أمريكية تؤمن بتغيير الخرائط بالقوة.