
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
بات في حكم المؤكد أن الخيار العسكري قد تقدّم على ما عداه من مسارات، وهو استنتاج تفرضه سلسلة مواقف مفصلية جعلت من فرضية العمل العسكري الاحتمال الأكثر تداولاً مع مطلع عام 2026.
لم تكن إشارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الوضع اللبناني خلال استقباله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مجرد عابر سبيل في الحديث، فبرغم أنها لم تُطرح للنقاش المباشر مع الإعلاميين، إلا أنها حملت دلالات واضحة تعكس امتعاضاً أمريكياً شديداً من أداء الدولة اللبنانية.
هذا الامتعاض تُرجم عملياً إلى تحذير شديد اللهجة اعتُبر بمثابة ضوء أخضر لنتنياهو ليتصرّف وفق ما يراه مناسباً. وبناءً عليه، سقطت كل الرهانات التي شاعت في الأسابيع الماضية حول إمكانية تمديد المهلة المعطاة للبنان لتنفيذ تعهداته، إذ تبيّن أن تلك الأحاديث لم تكن سوى محاولات لجسّ نبض الإدارة الأمريكية الجديدة، التي يبدو أنها حسمت أمرها… لا فرص جديدة ولا تهاون مع حجج لم تعد مقنعة لواشنطن.
وفي ذروة هذا التصعيد، شكّل لقاء مارالاغو في الأسبوع الأخير من ديسمبر 2025 المحطة الأبرز لرسم معالم عام 2026. فمن هناك انطلقت إشارة العمل العسكري بعد حصول تل أبيب على التفويض الأمريكي للتحرك في حال أخفق الجيش اللبناني في مهامه. ولم يتأخر الصدى الميداني لهذا اللقاء، إذ رفع الجيش الإسرائيلي حالة التأهب للقصوى في 31 ديسمبر، مدفوعاً باتهامات للحزب باستغلال الأيام الأخيرة من العام لترميم شبكة أنفاقه في الضاحية الجنوبية وتعزيز ترسانته الصاروخية بتمويل إيراني ضخم… بالنسبة لتل أبيب، كانت هذه المعطيات مبرراً كافياً لتجاوز تفاهمات وقف إطلاق النار والانتقال من مرحلة الضغط السياسي إلى التهديد العسكري المباشر.
داخلياً، وضع هذا التزامن الساحة اللبنانية أمام مأزق الخيارات الوجودية، وبرز ذلك في حركة الاتصالات السياسية التي عكست استشعاراً بخطر داهم. ففي التاسع والعشرين من ديسمبر 2025، سُجّل لقاء في كليمنصو جمع السفير الأمريكي مايكل عيسى مع وليد جنبلاط، وهو اللقاء الذي بدا هادئاً في مظهره لكنه كان مشحوناً في الجوهر برسائل ضغط أمريكية صارمة، حيث تهدف واشنطن من خلال هذه القوى إلى بناء جبهة داخلية داعمة للجيش في مواجهة الحزب. ولم يتأخر صدى ما دار خلف الأبواب المغلقة، حيث برز موقف لجنبلاط عبر منصة “إكس” اعتبر فيه أن ملك إسرائيل الجديد حصل على كل ما يريد، محذّراً من أن المنطقة مقبلة على اضطرابات أكبر… ومشدّداً على أن الوحدة الداخلية وحصرية السلاح يجب أن تبقى فوق كل اعتبار.
هذا الموقف وما رافقه من تحركات لم يكونا منفصلين عن سياق أوسع، فمنذ تقديم أوراق اعتماده في نوفمبر 2025، وزّع السفير الأمريكي عيسى لقاءاته بعناية بين الرئاسة والحكومة والبرلمان ومختلف القيادات الحزبية. هذه الجولة المتوازنة حملت دلالات واضحة، إذ أراد أن يؤكد دعمه للمؤسسات الشرعية، وأن يراقب مواقف القوى السياسية من الملفات الإقليمية، وأن يبرز للرأي العام اللبناني أن واشنطن حاضرة في المشهد الداخلي وتتابع عن كثب التحركات التي قد تهدد الاستقرار. بهذا المعنى، يمكن القول إن جولات مايكل عيسى داخل لبنان، بما فيها محطة كليمنصو، تحمل طابعاً دبلوماسياً مكثفاً يهدف لجسّ النبض بدلاً من السياق التقليدي للزيارات، حيث تُستخدم اللقاءات كأداة لفهم التوازنات الداخلية وتوجيه رسائل سياسية دقيقة تدفع الأقطاب إلى اتخاذ مواقف علنية حادة.
وجدت الحكومة اللبنانية نفسها أمام معادلة مستحيلة، إمّا تنفيذ خارطة طريق نزع السلاح لتأمين أموال إعادة الإعمار، أو مواجهة انفجار عسكري وسياسي شامل يضع التماسك المؤسسي للبلاد في اختبار تاريخي مع بداية 2026. وفي خلفية هذه المعادلة، تظل تحركات السفير الأمريكي مايكل عيسى، وما يستتبعها من ردود فعل سياسية، مؤشراً على أن واشنطن لا تكتفي بالضغط الخارجي، بل تعمل أيضاً على إعادة ترتيب المشهد الداخلي عبر شبكة لقاءات مدروسة… لتضع لبنان أمام استحقاق ساعة الصفر بكل أبعاده العسكرية والسياسية والدبلوماسية.