
آلية لـ "اليونيفيل" في الناقورة
إلى حين تبيان كافة التفاصيل حول نتائج القمة الأميركية–الإسرائيلية، يبقى المسار الذي ستتمسك به الإدارة الأميركية بالنسبة إلى لبنان ودول المنطقة، هو إقامة علاقات طبيعية بينها وبين إسرائيل.
وهذا المسار يفترض أن يمر عبر مفاوضات، لن تكون سهلة مع إسرائيل، إذ تعتبر الأوساط الدبلوماسية أنه لا يوجد ما يُسمى بمفاوضات غير مباشرة، بل يكون التفاوض مباشرًا، سواء عبر التفاوض الذي انبثق عن مؤتمر مدريد للسلام عام 1995 واستمر ثلاث سنوات، أو عبر لجنة الميكانزم كما هو حاصل حاليًا بالنسبة إلى لبنان.
وتتخوف بعض المصادر من أن يأتي أي اتفاق “معلبًا”، ويُطلب من لبنان الموافقة عليه، ما يفرض على لبنان تحصين نفسه في التفاوض، ومعرفة مسبقة بما يريد الوصول إليه. ومن هنا تأتي أهمية أن يكون المفاوض باسم الدولة أمينًا على الأمانة وعلى قدر المسؤولية الملقاة على عاتقه.
فما هي مواصفات المفاوض؟
أولاً، يتعين أن يتمتع رئيس وفد المفاوضات وأعضاء الوفد بخصائص شرعية سياسية وقانونية وصلابة تمثيلية، بحيث يُعيّن بقرار رسمي واضح من الحكومة أو الرئاسة، ويكون قادرًا على تمثيل الدولة بكامل مؤسساتها ونقل الرسائل بدقة، ويحظى بثقة المرجعية التي يتبع لها وثقة الجسم المفاوض. كما يجب أن يمتلك خبرة تفاوضية عالية في الملفات الحساسة، ويفضل أن يكون قد شارك في مفاوضات دولية أو أمنية معقدة، إضافة إلى القدرة على إدارة فرق عمل متعددة الاختصاصات.
ومن الضروري أن يتمتع المفاوض باستقلالية القرار ضمن الهامش المسموح له، بحيث يعرف حدوده لكنه قادر على اتخاذ القرارات التكتيكية في اللحظات الحرجة دون الحاجة للرجوع لكل تفصيل. كما يجب أن تكون لديه القدرة على التعامل تحت الضغط الشديد، مع الحفاظ على رباطة الجأش والثبات عند لحظات الانهيار أو الجمود، والبقاء هادئًا أمام الاستفزاز.
ثانيًا، السمات الشخصية التي يجب أن يتحلى بها المفاوض تشمل رباطة جأش عالية جدًا، وقدرة على ضبط الإيقاع وامتصاص الاستفزاز، وذكاء استراتيجي لرؤية “الصورة الكبيرة” والتنبؤ بخطوات الخصم وفهم تداعيات كل كلمة. ويجب أن يتمتع المفاوض بدهاء دبلوماسي، أي القدرة على الإيحاء دون التصريح، واستعمال الغموض البنّاء، وتوسيع أو تضييق الهامش حسب الحاجة، إضافة إلى مهارات تواصل استثنائية تشمل الإصغاء العميق، اختيار العبارات بدقة، القدرة على التفاوض اللفظي وغير اللفظي، وضبط نبرة الصوت واللغة الجسدية.
كما يجب أن يكون المفاوض مرنًا تكتيكيًا وصلبًا مبدئيًا، لا يتنازل عن الثوابت ويعرف متى يقدم تنازلاً تكتيكيًا يخدم مصلحة أكبر، ولديه القدرة على إدارة الفريق، بحيث يعرف كيفية الاستفادة من خبرات الآخرين ويمنع تضارب الأصوات داخل الوفد، ويتقن اتخاذ القرار الجماعي بطريقة واضحة ونظيفة.
ثالثًا، يتعين أن يتسلح المفاوض بالأدوات المعرفية اللازمة، بما في ذلك إلمام شامل بالقانون الدولي، لا سيما اتفاقيات الهدنة، قانون البحار (UNCLOS)، حقوق الحدود، مبادئ التفاوض الحدودي، والقرارات الأممية ذات الصلة. ويجب أن يمتلك معرفة دقيقة بتاريخ النزاع اللبناني–الإسرائيلي، بما يشمل كل الحروب، الخط الأزرق، مفاوضات الناقورة، النزاعات الحدودية البرية والبحرية، ملفات مزارع شبعا، والسابقة التفاوضية. كما يجب أن يكون لديه فهم معمّق للبيئة الإقليمية، بما في ذلك الأدوار الإقليمية (سوريا، إيران، الولايات المتحدة، أوروبا…) وحساسية التحولات السياسية وديناميات الضغط الدولي.
في حال كانت المفاوضات حدودية، يجب أن يمتلك معرفة تقنية بملفات الترسيم تشمل الجغرافيا، الخرائط، الإحداثيات، مسارات خطوط الترسيم، والطاقة والغاز والموارد البحرية. كما ينبغي إتقان مهارات التحليل السياسي والأمني، وقراءة نوايا الطرف المقابل، وفهم بنية صنع القرار لديه، وتقدير قدراته العسكرية والسياسية. ويجب أن يكون قادرًا على تحليل المعلومات والاستخبارات المفتوحة، أي تفسير الإشارات وتحليل التصريحات وربط المعطيات، إلى جانب إتقان لغات أجنبية، عادة الإنجليزية وأحيانًا الفرنسية، ليس فقط للتواصل بل لفهم المصطلحات القانونية.
رابعًا، ما يميز رئيس وفد ناجح في ملف بهذا الحجم هو التوازن بين الحزم والحكمة، الإدراك أن كل كلمة قد تصبح سابقة، عدم الانسياق خلف العواطف أو الانتصارات الإعلامية، القدرة على خلق نقاط قوة في أماكن تبدو ضعيفة، وبناء استراتيجية “مديدة النفس” وليست ردّية.