الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

لبنان وسوريا.. هل أصبحت الحدود كماشة حول الحزب؟

لم يعرف لبنان علاقةً ندّيةً مع سوريا طوال عقود حكم آل الأسد، التي هيمنت على قراره وتحكّمت بسيادته عبر منظومة عملاء في مفاصل الدولة. في تلك الحقبة، كانت انتخابات الرئاسة تُدار من مراكز التحقيق السورية في البوريفاج وعنجر، بينما كان الشبان اللبنانيون يُقتادون إلى سجون صيدنايا والمزّة. ومع سقوط نظام بشار الأسد ووصول سلطةٍ جديدة بقيادة أحمد الشرع، حدث انقلابٌ في عقيدة الدولة السورية تجاه جارتها؛ فبدلاً من لغة التبعية، أرسى النظام الجديد قواعد الدولة للندّ، مشدداً على أنّ استقرار دمشق يبدأ من احترام حدود بيروت. ولم يكن هذا مجرد تصريح، بل تُرجم عملياً عبر إلغاء المجلس الأعلى اللبناني–السوري، والاعتراف بسورية مزارع شبعا لسحب بساط الذرائع الحدودية من تحت السلاح غير الشرعي.

لكنّ التحدّي الأكبر يكمن في انهيار الجسر البرّي الذي كانت طهران تعتمد عليه لربط العراق بسوريا وصولاً إلى لبنان. وفي هذا السياق، كشف الكاتب السوري والباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية ضياء قدور، في حديثٍ خاص لـ”صوت بيروت إنترناشونال”، زيف الشائعات المتداولة حول تحرّكات عسكرية وشيكة على الحدود السورية–اللبنانية، مؤكداً أنّ هذه الموجة من التصعيد الكلامي تقودها بعض الصحف الموالية والناطقة باسم محور ولاية الفقيه وجماعات تابعة لـ”حزب الله”، في محاولةٍ لخلق واقعٍ وهمي يناقض المعطيات على الأرض. وأوضح قدور أنّ الجيش السوري لا يزال مستنزفاً بأربع فرقٍ عسكريةٍ كاملة مرابطة في جبهات شمال شرق سوريا، ولم يتم سحب أي قوةٍ منها لصالح جبهاتٍ أخرى، مما جعل التفرّغ لأي ملفٍ يخص لبنان أمراً مستبعداً في الوقت الراهن.

كما أشار قدور إلى أنّ الحكومة السورية تنفي رسمياً وجود أي توجّهٍ لشنّ عملياتٍ عسكرية، واصفاً ملف الحدود بـ”الشائك جداً” نظراً لوجود عشرات المعابر النظامية وغير النظامية، فضلاً عن الطبيعة الديموغرافية للمنطقة التي تخدم تموضع “حزب الله” الدفاعي أكثر من غيره. وختم قدور حديثه بتحميل “حزب الله” مسؤولية الأزمات المتلاحقة التي تصيب سوريا، بدءاً من تهريب السلاح وصولاً إلى شحنات المخدرات التي لا تتوقف، كاشفاً عن وجود تنسيقٍ سرّي وعلني وزياراتٍ متبادلة تهدف للضغط على الحكومة المركزية في دمشق لعرقلة مسار ضبط الحدود.

ومن الجهة اللبنانية، تكتمل الكماشة عبر تفعيل أبراج المراقبة البريطانية والأميركية، مع انتشارٍ كثيفٍ للجيش اللبناني في قرى عرسال والقاع ورأس بعلبك، مما جعل نقل السلاح الثقيل مخاطرةً تصدم الحزب بمواجهةٍ مباشرة مع مؤسسات الدولة، وهو ما شهدناه خلال الحملة العسكرية على تجار المخدرات. نحن اليوم أمام واقعٍ جيوسياسي جديد يمثّل فيه لبنان وسوريا جداري حصارٍ جغرافي يطبق على تحركات الحزب الميدانية. فبينما تسعى الدولة السورية إلى تثبيت الحدود ومنع الاختراقات رغم تحدياتها الداخلية، تفرض الدولة اللبنانية سيطرتها التدريجية على المعابر. هذا الواقع يضع “حزب الله” أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا الانكفاء كقوةٍ سياسية تخضع لقانون الدولة، أو مواجهة العزلة الشاملة بعد سقوط الجسر البرّي الذي كان يربطه بالعالم.