الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

قرارات الحكومة في القصر الجمهوري.. هل يفرض الميدان كلمته؟

في وقت يواصل فيه ورثة “الولي الفقيه” السير على النهج الذي أرساه الخميني مؤسس ثورتهم المزعومة تحت شعار “نصرة المستضعفين”، يتكشف زيف هذا الشعار عبر استهداف استقرار دول الخليج العربي وزرع بذور الدمار في المنطقة والمفارقة الصارخة هنا هي وصول شظايا هذا النهج حتى إلى سلطنة عمان، تلك الدولة التي كانت بمثابة حائط الدفاع الدبلوماسي الأخير والجهة التي وقفت بصلابة لتجنيب النظام الإيراني سقوطًا مدويًا في أزماته الدولية، فكوفئت بإقحامها في أتون نزاع مدمر لم تسلم من تبعاته، تحركت أيتام المنظومة في المنطقة لتطبيق ما يسمى “وحدة الساحات”، تلك الكذبة التي صمتت طويلًا عن نصرة غزة التي لم تكن بالنسبة لهم سوى شماعة للمتاجرة بآلامها.

واليوم، وعقب اغتيال علي خامنئي مع مجموعة من قادته، خرج “حزب الله” في لبنان ليثبت أن بوصلته لا تتجه نحو بيروت، بل نحو المرجع في طهران. لقد وفى الأمين العام لـ “حزب الله” نعيم قاسم بوعده، ولكن ليس للبنان ولا لشعبه، بل للنظام الإيراني. فبينما خيم الصمت على الحزب عند اغتيال رمزه الأول الأمين العام السابق حسن نصر الله، وخليفته هاشم صفي الدين، وتصفية كوادره التي أمضت عقودًا في السمع والطاعة، استنفرت قواه فقط عندما استهدف رأس النظام في طهران… لقد جاء يوم الاستثمار الكبير في أرواح اللبنانيين وبلدهم، الذين يجدون أنفسهم اليوم وقودًا لمعركة “لا ناقة لهم فيها ولا جمل” وتضحية في سبيل نظام لا يرى في لبنان سوى ساحة لتصفية حساباته.

كواليس جلسة بعبدا وتحديات السيادة المفقودة

تحت وطأة النيران التي تلتهم الحجر والبشر في لبنان، جاءت قرارات حكومة الرئيس نواف سلام في جلسة القصر الجمهوري يوم أمس لتحدث خضة كبيرة على الوضع وصفت بأنها تاريخية ومصيرية، وحسب تسريبات من داخل الجلسة، فقد تركز الخلاف والتوتر بين رئيس الحكومة نواف سلام وقائد الجيش العماد رودولف هيكل حول الاتهام بالتقصير، حيث وجه نواف سلام انتقادات حادة للقيادة العسكرية، منتقدًا خروج صواريخ ومسيرات باتجاه حيفا دون تدخل حازم من الجيش لمنعها، ووصف ما حدث بأنه عمل مشبوه يورط الدولة ونقلت المصادر أن الجلسة شهدت نقاشًا حادًا وصراخًا نتيجة إصرار سلام على تحميل الجيش مسؤولية الفلتان الميداني، ومطالبته بخطوات فورية وغير مسبوقة.

وفي حديث لموقع “صوت بيروت انترناشونال” أشار باحث استراتيجي إلى أن هذه الضغوط الحكومية والمناخ الدولي، أدت إلى بلورة خمسة توجهات كلف الجيش بالتعامل معها فورًا لضبط الوضع، ومنها المصادرة الفورية لأي منصات صواريخ أو أسلحة تستخدم خارج إطار شرعية الدولة، البدء بتنفيذ خطة أمنية تهدف إلى حظر أي أنشطة عسكرية غير رسمية في مناطق معينة، تكليف الوحدات العسكرية بمنع أي عمليات قصف تنطلق من الأراضي اللبنانية حتى لو تطلب ذلك مواجهة ميدانية، التأكيد على أن الجيش هو الجهة الوحيدة المخولة بالرد أو التحرك وإلغاء أي تنسيق ميداني سابق خارج إطار الدولة، وأخيرًا وضع نظام محاسبة دقيق للمسؤولين عن القطاعات ميدانيًا لضمان سيادة القرار.

ورغم التهليل السياسي والإعلامي لهذه القرارات، لفت الباحث الاستراتيجي عبر “صوت بيروت انترناشونال” إلى أن الصدام مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل كشف عن هوة سحيقة بين طموح الورق وقسوة الميدان. فبينما يهلل السياسيون في الصالونات، تستمر إسرائيل في دك معاقل ومقدرات “حزب الله” بشكل عنيف وغير مسبوق، حيث طال التدمير فروع القرض الحسن وقناة “المنار” على معظم الأراضي اللبنانية. وفي المقابل، لا يبدو أن “حزب الله” في وارد الالتزام بقرارات الدولة، حيث استمر بإطلاق الصواريخ والمسيرات وآخرها ما جرى صباح اليوم بإطلاق 15 صاروخًا، مما يضع هيبة الدولة وقراراتها على المحك وتبقى التحدي الأكبر هو قيمة الورق والقرارات الحكومية أمام طائرات لا تتوقف عن تمزيق ما تبقى من بنية الوكيل الإيراني في لبنان.

أمام هذا المشهد، نفذت الآلة العسكرية خطة المحو لاجتثاث كل ما يرتبط بإيران و”حزب الله” بجميع هياكله، لقد انكسرت الحاضنة الشعبية التي اكتشفت متأخرة أنها كانت مجرد دروع بشرية لمشروع خارجي صرف دماء أبنائها بدم بارد لتأمين بقاء النظام في طهران، إنها معركة استعادة القرار المصادر، حيث يحاول لبنان الرسمي من داخل القصر الجمهوري التحرر من قيد الوكيل الذي لا يرى في الدولة سوى غطاء لعملياته.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، فإما أن تتحول قرارات الحكومة إلى إجراءات تنفيذية تحمي السيادة اللبنانية وتنهي حالة التبعية، أو تظل مجرد قرارات ورقية تفتقر للقدرة على تغيير الواقع الميداني، بينما تواصل النيران التهام الخارطة. فهل تنجح الدولة في فرض كلمتها واستعادة القرار، أم أن استمرار غارات الطائرات التي تمزق بنية الوكيل الإيراني قد سبق الجميع، لتبقى قيمة الأوراق والقرارات معدومة أمام واقع ميداني يبدو أنه خرج عن السيطرة.