
نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسر القاسمية (رويترز)
“وقع الفأس بالرأس” هذه العبارة تختصر المشهد الذي نعيشه اليوم، فاتفاق الهدنة الذي أبصر النور خلال ساعات برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبقيادة وحياكة وزير الخارجية ماركو روبيو، “المسؤول التنفيذي” عن خططه ومبادراته التي لا يمكن أن تسلك طريقها إلا بختمه وإشرافه المباشر، وضع قيد التنفيذ ونشرت بنوده دون أي معارضة ظاهرة يمكن تلمسها… الشاهد الأبرز كان “توأم” “حزب الله” في “البزة الدبلوماسية” رئيس مجلس النواب نبيه بري، بموقفه الذي صاغه بعبارات طغى عليها “التريث” والحرص والتمنيات والإرشادات، دون الغوص بجوهر الاتفاق وبنوده. هذا التريث الدبلوماسي عكس قبولاً حذراً بالأمر الواقع الذي تم به حسم الملف.
حزام أصفر يوقف الزحف
مع بداية دخول الاتفاق حيز التنفيذ بدأ جمهور “الثنائي” بالزحف باتجاه الجنوب مزوداً بـ “علامات الانتصار”… ازدحمت مداخل ما تيسر من معابر مؤدية إلى القرى الجنوبية بالسيارات، في وقت بدأ العمل على إعادة الروح إلى جنوب الليطاني من جسري القاسمية وطيرفلسة وغيرها من الجسور. لم يدرك الجنوبيون العائدون أن الهدنة لا تتجاوز الـ 10 أيام ولا يمكن التكهن بمجريات ما سيحصل خلالها وبعد انتهائها، أما الواقع الذي لم يتداركوه هو إعلان إسرائيل عن إنشاء ما يسمى بـ “الحزام الأصفر”… “حزام” ضمت إسرائيل من خلاله ما يقارب الـ 55 قرية يمنع الدخول إليها باعتبارها منطقة “أمنية عازلة”… هذا ما يقودنا، وفقاً لما أشار إليه محلل سياسي تحدث إلى “صوت بيروت انترناشونال”، إلى أن إسرائيل استطاعت قضم نصف قرى جنوب الليطاني فيما القرى المتبقية تقع تحت أعين مقاتلات الجيش الإسرائيلي ومسيراته.
خلال هذا اليوم ومع تسابق الساعات وفي ذروة الزحمة، جاء خبر إعادة إقفال نظام الملالي “لمضيق هرمز” كالصاعقة… انطلقت من طهران وضربت الأجواء اللبنانية، صاروخ باليستي عابر لآلاف الكيلومترات… لا لقطع الوريد الذي يربط بين الولي الفقيه و “حزب الله” بل لإعادة خلط الأوراق والإعلان عن أن الساحة اللبنانية لا تزال تدار بعقيدة “الوكيل”.. تلقفها الحزب وأعلن انتهاء الهدنة فعلياً بقصفه لجبهة رئيس الجمهورية جوزف عون بعد كلمته التي وجهها إلى اللبنانيين وتأكيده أن لبنان “لم يعد ورقة في جيب أحد ولا ساحة لحروب أحد”.
غارات سياسية
إن المشهد اليوم وفق المحلل لم يعد يحتمل التأويل، لقد اختار “حزب الله” أن يطلق رصاصة الرحمة على “اتفاق نيسان” لضمان بقاء الورقة اللبنانية في جيب طهران. كلاهما يخرج من غرفة عمليات واحدة تهدف إلى إفهام العالم بأن “المفاتيح” لا تزال بيد المرشد المجهول المصير، سواء في ممرات الملاحة الدولية أو في أزقة بيروت والجنوب المدمرة. لم تكد تمر 48 ساعة على صمت المدافع تنفيذاً لبنود الاتفاق، حتى انفجرت “مدافع الألسنة” عبر غارات سياسية، لتؤكد أن القرار في ضاحية بيروت ما زال يطبخ في مطابخ طهران. وكأن “الولي الفقيه” قرر أن يسخن الساحة اللبنانية فوراً ليعوض خساراته الميدانية بانتصارات وهمية على منبر التصريحات.
“لا لأنور سادات لبناني”
الهجوم بدأ… يكمل المحلل كلامه بالإشارة إلى الأدوار التي توزعت بين القيادات والمسؤولين في “حزب الله” بظهور نائب رئيس المجلس السياسي في “حزب الله” محمود قماطي على إحدى الشاشات المحلية موجهاً سلاحه الكلامي باتجاه رئيس الجمهورية جوزف عون بقوله… “كلام رئيس الجمهورية لم يكن مفاجئاً بل صادماً، فقد شكر ترامب على وقف إطلاق النار ولم يشكر إيران. هذا الخطاب يمثل جحوداً تجاه الجمهورية الإسلامية التي لم تبخل يوماً في دعم لبنان، وهو يعكس توجهاً خطيراً في تبني الرواية الأمريكية التي تجعل من القاتل وسيطاً للسلام.” أراد قماطي إيصال رسالة علنية مفادها أن الحزب لن يلتزم الصمت تجاه ما يراه “انقلاباً” في المواقف السياسية للعهد.
أما الكلام الذي اعتبر ذروة التهديد فهو جاء على لسان نائب “حزب الله” نواف الموسوي الذي قال…”هناك من يريد في لبنان أن يلعب دور أنور السادات عام 1977، حيث يراد أخذ البلد إلى قدس أمنية وتوقيع اتفاقات تفرغ المقاومة من معناها. السادات اعتقد أن 99% من أوراق اللعبة بيد أميركا، واليوم نرى في السلطة من لا يزال يؤمن بهذه الخرافة. الفرق أننا في عام 2026، والميدان هو من يملك 100% من الأوراق، ولن نكون مصر السادات التي عُزلت عن محيطها مقابل سيناء منقوصة السيادة.”
وفي سياق هذا التصعيد، جاء بيان أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم ليؤكد أمر العمليات الإيراني، حين ربط بصراحة بين إغلاق مضيق هرمز وهدنة الجنوب معتبراً أن “إيران أغلقت مضيق هرمز مقابل الإخلال الأميركي بوقف إطلاق النار في لبنان ثم كان الإذعان الأميركي”. هذا الربط، بحسب المحلل، يؤكد إصرار الحزب على رفض فصل المسارات، من خلال تمسك قاسم بمعادلة أن “الميدان أثبت أنه صاحب الكلمة الفصل”. وقد تعمد قاسم في بيانه استخدام لغة الاستهزاء عبر وصفه الاتفاق الرسمي بأنه مجرد “منشور” صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، في محاولة لنزع الصفة القانونية والسيادية عنه، معتبراً إياه “إهانة لبلدنا ووطننا لبنان أن تملي نصه أمريكا وتتحدث باسم الحكومة اللبنانية.
لم يتوقف التصعيد عند المنصات الخطابية، بل انتقل إلى الميدان عبر رسالة مشفرة بالدم، بمقتل الجندي الفرنسي من قوات “اليونيفيل”. هذه الحادثة لم تكن مجرد حادث عابر، بل صرخة بوجه المجتمع الدولي مفادها أن القرار 1701 تحت رحمة “الوكيل”. هذا التطور دفع بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى كسر جرة دبلوماسيته المعهودة مع “حزب الله”، موجهاً اتهاماً مباشراً وصريحاً للأخير بالمسؤولية عن هذا الاعتداء، مما يعني سقوط آخر المظلات الدولية التي كان يحتمي بها الحزب.
إن الربط بين تصعيد المسؤولين في “حزب الله” وتهديدات طهران في هرمز، يسقط نهائياً الإشاعات التي روجت سابقاً بأن الجهود الإيرانية أسهمت في وقف إطلاق النار. هذا الادعاء الذي ظهر بوضوح عبر المطالبة بضرورة شكر طهران، ليس إلا محاولة للالتفاف على التوجه الأمريكي الهادف لفصل المسار اللبناني عن الإقليمي. أمام هذه الوقائع يقف لبنان أمام مرحلة هي الأكثر خطورة، فإما أن تنجح محاولات استعادة الدولة لقرارها السيادي من أنياب الوصاية، أو يظل الوطن مجرد “صندوق بريد بالدم” يرسل عبره “الولي الفقيه” رسائله للعالم فوق ركام المدن اللبنانية.