
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
تاريخيًّا، كانت فرنسا تُعتبر «الأمّ الحنون»، لا سيّما للموارنة الذين بدأوا يتخلّون تدريجيًّا عن هذه الأم، فالرهانات عليها بدأت تتلاشى نتيجة التحوّلات التي طرأت على سياستها… فرنسا كانت دائمًا الملجأ للبنان… علاقة مميّزة تطوّرت إلى «عصر ذهبي» بلغت ذروته في حقبة الرئيس الراحل جاك شيراك، الذي احتضن لبنان من خلال الكيمياء السياسية الاستثنائية التي ميّزت علاقته بالرئيس الشهيد رفيق الحريري.
اليوم، العلاقة التاريخية بين فرنسا ولبنان تسلّل إليها البرود، نتيجة السياسة الخارجية، مع وقوف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في المنطقة الرمادية… تجلّت في عدّة محطّات خلال زيارته للبنان مع تفجير مرفأ بيروت، وظهرت عدم قدرته على فرض واقع يرضي السياديين، لا سيّما في موضوع الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث كان يدفع باتجاه خيار يرضي فريق «المحور».
البارحة، زار رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام فرنسا، وخرج من اللقاء بمؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس ماكرون، طغت عليه مصطلحات الأمنيات وعرضٌ للمراحل التاريخية للعلاقة بين البلدين، لا يمكن أن تثمر على أرض الواقع.
هذا المؤتمر وصفته شخصية إعلامية مخضرمة، عاصرت الحقبة «الشيراكية» بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة على مدى سنوات، في حديثها لـ«صوت بيروت إنترناشونال»… لم يكن حديث المخضرم مجرّد سردٍ لوقائع، بل توصيفًا دقيقًا للمشهد الذي انقلب فيه الدور الفرنسي الفاعل إلى مشهدٍ انحداري، يحاول التقاط ما تبقّى من رصيد له في لبنان.
بدأ المخضرم حديثه بوصفٍ يملؤه الأسى… لم يبقَ من الدولة العظمى سوى تلك الحصى السوداء المميّزة في باحة قصر الإليزيه، كانت «الدعسات»، عندما يطأها الزائر، تُصدر صوتًا يشعر معه بالمزيد من العظمة، خصوصًا عندما يُسرع الرئيس الفرنسي جاك شيراك بالنزول درجات قصره ترحيبًا بالضيف، فكيف إذا كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري… شيراك كانت له الصولات والجولات في استقبال صديقه الشهيد في تلك الساحة التي كانت ملكهما… محادثات على الحصى قبل الدخول، وحوار هامس أيضًا على الحصى بعد الخروج… صداقة لا فكاك منها، ولو أغاظت أعداء الداخلين اللبناني والسوري.
يضيف المخضرم… كان يا ما كان… تحوّلت الحصى إلى بحص، تطبخ فرنسا وتطبخ، وطبخة البحص تخرج من مطابخها… إمبراطورية لم يبقَ منها سوى تلك الحصى أمام مدخل الإليزيه. يستعرض رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام حرس التشريفات، وعقله في البعيد، عند الذي حجب الشمس عن فرنسا وعن الاتحاد الأوروبي كلّه. نواف يدرك أنّ «نوافًا» آخر «بلطجيًّا» ينتظره، يقتلعه إن لم يُحسن زيارة المكان… شكى من يشكي، والرئيس الفرنسي يربّت على كتفه: «اشكي لي تشكي لك»… زيارة ولقاء وصداقة وحوار باللغة الإنجليزية… سقطت الإمبراطورية يوم سقطت الفرنكوفونية، هكذا حدّثنا شارل ديغول…
ودّع الرئيسُ الفرنسي ضيفَه بالحفاوة ذاتها على باب الإليزيه، وانتظره حتى غابت سيارته المرسيدس… مفاجأة الصناعات الفرنسية التي مخرت عباب الحصى، الوحيدة الباقية الشاهدة على العصر، في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب «آكل الجو».
هذه السوداوية في التوصيف وجدت ترجمتها الواقعية في التطوّرات الأخيرة. ففرنسا باتت تحاول مسك العصا من المنتصف، ووجدت نفسها اليوم أمام جثّة جندي من قواتها العاملة ضمن «اليونيفيل» سقط في الجنوب اللبناني.
ولأول مرة، وبلهجة لم نعهدها من الإليزيه، خرج الاستنكار الفرنسي باتهام مباشر لـ«حزب الله». هذا التحوّل يعكس مكنونات ما قيل… إن «الأم الحنون» لم تعد قادرة حتى على حماية أبنائها، وأن الحصى التي كانت تمنح العظمة لم تعد تحمي من وطأة الميدان الذي تغيّرت موازينه.
يختم المخضرم حديثه بخلاصة تختصر وضع فرنسا في البلد الفرنكوفوني: «أمّنا الحنون باتت لا حول لها ولا قوة، والأب الوحيد أقام علاقات بالحرام، فكنا نحن أولاده مكتومي القيد في هذا الشرق»… وأن سيارة المرسيدس التي غابت في الأفق لم تكن تحمل ضيفًا فحسب، بل كانت تحمل ما تبقّى من هيبة إمبراطورية، لم يبقَ منها إلا صوت حصى أسود يبكي زمنًا كان فيه الإليزيه يقرّر، واليوم يشكي ليُبكى عليه.