
عمال الإنقاذ، بمساعدة الآلات الثقيلة، يعملون في موقع غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت، لبنان، في 10 أبريل 2026. رويترز
ينتظر لبنان والمنطقة، هذا الأسبوع، ثلاث محطات مفصلية سترسم نتائجها صورة المرحلة المقبلة لمستقبل الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن هذه المحطات تتفاوت بأهميتها، إلا أنها ترتبط بمسار واحد عقدته الأساسية نظام “الولي الفقيه”، الذي ربط هذه المسارات بمصيره.
المحطة الأولى، التي تتقدم على ما عداها، هي ملف التفاوض الأميركي – الإيراني، الذي رسا البارحة على الرد الإيراني الأخير الذي وُضع على طاولة البيت الأبيض. هذا الرد لم يتأخر تقييمه في أروقة واشنطن، التي يبدو أنها حسمت أمرها، حيث جاء التعليق على “وجه السرعة” عبر “تروث سوشال”، في تدوينة نارية كتبها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، واضعًا النقاط على الحروف وبالمباشر، خالعًا فيها “القفازات الدبلوماسية” التي كان يضعها بين الحين والآخر في التعامل مع المفاوضين الإيرانيين، قائلًا: “لقد قرأت للتو الرد الوارد مما يسمى بـ”ممثلين” عن إيران.. لا يعجبني، وهو غير مقبول إطلاقًا”!
إن موقف الرئيس ترامب الرافض للرد الإيراني يؤكد أنه قطع الطريق على أي مناورة دبلوماسية، وهو، كما يبدو، إعلان صريح عن فشل المسارات الالتفافية التي تحاول طهران تسويقها عبر الوسيط الباكستاني مرارًا وتكرارًا، في محاولة معتادة لتمديد المسار التفاوضي. وبالتوازي مع هذا الضغط، تتجه الأنظار نحو العاصمة الصينية بكين، التي من المقرر أن يصلها ترامب في الرابع عشر من مايو الجاري، في زيارة لا تبحث فقط في ملفات التجارة والرسوم الجمركية الشائكة، بل تهدف، بالدرجة الأولى، إلى حسم التموضع الصيني وضمان تحييد “التنين” وتخفيف دعمه لطهران، في الوقت الذي يمارس فيه البيت الأبيض “أقسى الضغوط” لإنهاء هذا الملف.
وبين هاتين المحطتين، تبرز المحطة الثالثة والأكثر دقة، وهي انطلاق جولة المحادثات الثالثة بين لبنان وإسرائيل. هذه الجولة، التي يدخلها لبنان على وقع استنزاف ميداني وسياسي، قد تزداد وتيرته التصعيدية قبيل انعقادها.
الشروط المستحيلة
في محاولة لتشريح موازين القوى قبيل انعقاد هذه الجولة، برز تأكيد لبناني جاء على لسان رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال استقباله وفد المفوضية الأوروبية لشؤون المساواة والجاهزية وإدارة الأزمات، حيث قال: “إن لبنان متمسك بوقف النار والأعمال العسكرية كافة، للانطلاق بمفاوضات تنهي الوضع المضطرب القائم في الجنوب، تمهيدًا لإعادة نشر الجيش حتى الحدود الدولية والإفراج عن الأسرى وعودة النازحين”، مشددًا على أن “وقف النار يجب أن يكون كاملًا وشاملًا”. هذا الموقف يقابله موقف إسرائيلي متشدد يرتبط بمقاربة “خطة نزع السلاح”، وهو المطلب الجوهري الذي تتقاطع فيه واشنطن وتل أبيب كشرط أساسي وغير قابل للتفاوض، وهو ما يبدو، على أرض الميدان، مطلبًا يستحيل تحقيقه.
المشهد الميداني سيفرض نفسه
رغم أن المشاركة اللبنانية في الجولة الثالثة قد حُسمت، إلا أن مشهديتها اليوم ستكون مثقلة بعدة أمور قد تقودنا إلى نتائج صفرية، وعلى رأسها المواقف الداخلية المتشددة من ناحية “حزب الله” الرافضة لهذا التفاوض، رغم أن الميدان العسكري يفرض واقعًا مؤلمًا مع تصاعد وتيرة الضربات الإسرائيلية والاغتيالات، التي تشير إلى أن إسرائيل تسعى إلى ممارسة نوع من “الخنق الأقصى” للحزب. وهو ما تبين بوضوح عبر خطة “العزل الجغرافي الشامل”، من خلال استهداف عمق إقليم التفاح، الذي يعتبر الخزان الاستراتيجي واللوجستي للحزب، بالتوازي مع فرض سيطرة نارية مطلقة على طول خط الساحل لانتزاع تنازلات سياسية بالحديد والنار.
أما على الصعيد السياسي، فرغم أن شروط الرئيس عون تعتبر بديهية، إلا أنها ما زالت تصطدم بـ”لاءات المحور”، لا سيما أن رئيس مجلس النواب نبيه بري بات خارج معادلة التفاوض بعدما اختار التموضع الصريح والكامل إلى جانب “حزب الله”. وبالطبع، هذا الأمر سيرخي بظلاله على وضع الرئيس عون والوفد اللبناني المفاوض، الذي سيكون “مكبل اليدين” وعاجزًا عن اتخاذ أي خطوة سياسية أو تقديم أي طرح تفاوضي لا يحظى بضوء أخضر مسبق من الضاحية، بشكل غير مباشر.
إن الموقف اللبناني المتمسك ببند “وقف إطلاق النار” كشرط أساسي لن يصطدم فقط بشرط نزع السلاح، بل بموقف أميركي يفرض لقاءً يجمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس عون، وهو ما يرفضه الأخير بشكل قاطع. انطلاقًا من هذه المعطيات، يبدو أن النتائج المرجوة من الجولة الثالثة ستعود إلى المربع الأول، لأن إدارة ترامب تضغط بمطالب ترتبط بسلاح “حزب الله”، الذي أثبتت الوقائع الميدانية أن نزعه أمر مستحيل، وأن خطة الجيش التي وُضعت تنفيذًا لبنود الاتفاق “التشريني” قد فشلت. في الوقت الذي يبدو فيه أن عملية “المحو” الممنهجة التي تنتهجها إسرائيل للعمق الجنوبي ستتقدم على الملف التفاوضي، في وقت يستمر فيه “حزب الله” بـ”الانتحار السياسي والميداني”، رغم إدراكه أن موازين القوى ليست متكافئة، وأن الثمن دفعه أبناء الجنوب، وأن المرحلة القادمة ستكون مجرد توثيق لواقع ستفرضه إسرائيل على جنوب لبنان لتكمل تدمير ما تبقى منه.