
عملية تفجير ضخمة نفذها الجيش الاسرائيلي استهدفت نفقاً وبنى تحتية في بلدة القنطرة جنوبي لبنان
لا شك أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة اثر اجتماعه بمجلس الوزراء في المكتب البيضاوي في واشنطن…عكست تحولاً استراتيجياً حاداً في مواقفه التي دائماً ما تأرجحت بين الإيجابية والسلبية، إلا أن ما أدلى به البارحة عقب هذا الاجتماع، الذي تصدر مشهديته وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الحرب بيت هيغيست، يدلل على أنه أراد منه، المزج بين الدبلوماسية الهجومية والضغط العسكري الأقصى لفرض شروط إدارته كاملة.
لقد أوحى ترامب بأنه فقد صبره تماماً تجاه طهران، فهو يرى أن الحصار الخانق الذي فرضه عليها ، حقق أهدافه الاستراتيجية بانهيار كامل لخيارات نظام “الملالي” بقوله… “إنهم يتفاوضون على الرمق الأخير نظامهم الاقتصادي انهار تماماً وهم يريدون بشدة إبرام صفقة”. ولم يكتف بذلك، بل أكد بشكل قاطع وحاسم أنهم “لن يحصلوا على أي تخفيف للعقوبات على الإطلاق مقابل التخلي عن اليورانيوم عالي التخصيب”، مع إصراره على تسليمه للولايات المتحدة مباشرة لضمان تدميره والتأكد من عدم تهريبه أو نقله إلى حلفاء كـ روسيا أو الصين.
ولم يقتصر هذا الحسم الجيوسياسي على طهران فحسب، بل امتد ليشمل تحذيراً شديد اللهجة للقوى الإقليمية والوسطاء، فارضاً عليهم عدم منح إيران أي طوق نجاة، خصوصاً في مضيق هرمز، متوجهاً على وجه الخصوص إلى سلطنة عمان، الوسيط التقليدي الأول، بلهجة صارمة قائلاً… “عمان ستتصرف تماماً مثل أي دولة أخرى وإلا فسيتعين علينا تفجيرها إنهم يفهمون ذلك وسيكونون بخير”، مشدداً على أن المضيق هو مياه دولية لن يسمح لأحد بالسيطرة عليها. الا أن البارز في كلمته تلويحه بالخيار العسكري الحتمي في حال المماطلة بعبارته التي أكد فيها انه، “ربما يتعين علينا العودة وإنهاء المهمة وربما لا سنرى ما سيحدث”.
لبنان وجنوبه أمام تحولات كبرى
لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل تصريحات ترامب عن التطورات الميدانية الجارية في لبنان وجنوبه تحديداً، فالحرب الأخيرة التي أطلق “حزب الله” صفارتها بصواريخه الستة، والتي جاءت واضحة وصريحة من خلال مواقفه، بأنها تخاض ثأراً لاغتيال المرشد علي خامنئي، ورغم تداعياتها الكارثية والمزلزلة عليه وعلى كامل الجغرافية اللبنانية، يستمر الحزب في استنزاف بنيته التنظيمية والعسكرية، آخذاً معه بيئة بأكملها بعد أن جردها من تاريخها وشبابها وشيبها، وهذه الانعكاسات لن تنحصر بها، بل ستطال لوحة لبنان وأبرز قطعة جغرافية منه.
سقوط “الثلاثية”عند ابواب طهران
ما يجري اليوم في الجنوب لا يمكن إسقاط مشهديته على المحطات السابقة، فمقولة أمين عام “حزب الله” حسن نصر الله الذي اغتالته إسرائيل والتي اطلقها عقب حرب 2006…”لو كنت أعلم”… فقدت صلاحيتها بعدما نزعت عباءة “لبننة” المقاومة واستبدلت بعباءة “الولي الفقيه”، ولذا لا يمكن توظيف أي مواجهة اليوم لصالح تحرير الأراضي اللبنانية، لأنها باتت مواجهة إيرانية-إسرائيلية على الأراضي اللبنانية، ولم يعد بالإمكان توظيفها في الساحة الداخلية اللبنانية لتحقيق مكاسب سياسية بدأت بالتلاشي، كما فقد الأكبر رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري القدرة على نزع الصواعق، فهو ضرب في معاقله التي شيدها على مدى سنوات وخصص لها صندوق “مجلس الجنوب” لإعمارها، وهي اليوم تسقط بلدة بلدة، قرية ، قرية، تحت نيران المقاتلات الإسرائيلية، وانذارات الجيش الاسرائيلي التي فرغتها من أهلها ، وحولتها الى ركام ضاعت معه معالمها، وباتت تتصدر الشاشات المرئية من بنت جبيل، الى النبطية وصولاَ الى صور ، ولا يمكن التكهن الى أين ستمتد..
اليوم لم يعد يملك الخزب ترف مفاجأة اسرائيل، كما حصل في حرب عام 2006 …يومها أراد فرض معادلة ردع جديدة عبر عمليات الأسر لتبادل الأسرى ولتثبيت مشروعية سلاحه… لقد سبق “السيف العذل”…فالمعركة الحالية تتخذ طابع التفكيك الوجودي الشامل ، الذي بدأ مع اغتيال قياداته وعلى رأسهم الامين العام والرعيل الاول والثاني والثالث، وصولاَ الى العناصر التي تشبعت بخطابات “النصر” ، ليجد الحزب نفسه أمام معادلة لن يخرج منها مع استمرار الغارات الارتجاجية، التي زلزلت الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية في مشهد لم يألفه الحزب وقياداته .
فمصيره الذي ربطه بطهران ، لن يسمح له باعادة ترميم صفوفه وقدراته … فطهران تبحث عن ما تبقى لديها من أوراق لترفعها الى واشنطن ، علها تنقذ ما تبقى من سطوة عملت على نشرها وتثبيتها ايديولوجياَ وعسكرياَ في 4 عواصم عربية خلال 47 عاماَ..
نزيف بلا أفق
إن ما يجري على أرض الجنوب اليوم ، ينذر بأن الأمور لن تتوقف عند حدود الانذارات ، التي اضحت كابوساَ على ابناء هذه البقعة ، فالمشهد القادم وفق التطورات الميدانية ، يؤسس الى اننا امام مرحلة قاسية ، لا يمكن للدولة اللبنانية تحملها ، بعدما بات الحزب غائباَ عن حاضنته ، التي مازالت تقدم ابنائها قرباناَ للولي الفقيه ، بتحوله من قوة ردع إقليمية إلى كيان يستنزف مقومات بقائه وبقاء حاضنته في معركة بلا أفق، في وقت يضع فيه زلزال ترامب المنطقة أمام خيار حاد لا يقبل بأنصاف الحلول، ويفرض واقعاً جديداً لا مكان فيه للأدوار التي كانت سائدة في المحطات السابقة… اننا امام شرق أوسط جدديد.