
وزير خارجية إيران عباس عراقجي ورئيس البرلمان الإسلامي الإيراني محمد باقر قاليباف في منتجع بورغنشتوك في سويسرا
منذ توقيع “مذكرة التفاهم” بين طهران وواشنطن تسيطر بهجة الانتصار على مواقف القيادات الإيرانية، والتحقت بها قيادات “حزب الله” رافعة سقف الشروط بوجه الداخل اللبناني الذي يتهيأ وفده المفاوض لجولة سادسة من المفاوضات في واشنطن، بإعلان أمين عام الحزب نعيم قاسم “سقوط زمن التغوّل الإسرائيلي”، واضعاً خطوطاً حمراء تجاه أي صيغة تمنح إسرائيل حرية الحركة في لبنان، مستنداً إلى إغلاق مضيق هرمز كورقة قوة استراتيجية وسلاح بيد الدولة اللبنانية وحلفائها الإقليميين.
إن محاولة “حزب الله” التسلح بالموقف الإيراني لاستمرار قتاله السياسي في مواجهة المسار التفاوضي اللبناني قابله رد سياسي من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يرى أن دولته غير معنية بما يجري في سويسرا، ليؤكد بقاء قوات جيشه في ما سماه “المنطقة الأمنية” في جنوب لبنان ما دام ذلك ضرورياً لحماية سكان الشمال، ولن يسمح لإيران بامتلاك أسلحة نووية مهما كانت التطورات… لاقاه رئيس أركان الجيش إيال زامير بموقف عسكري حاد من قلب جنوب لبنان، معلناً أن “وقف إطلاق النار المعلن هش، والجيش في أعلى درجات الجاهزية للاستعداد والانتقال السريع للهجوم العنيف”.
طهران تقايض بـ”حزب الله”
ثمانون دقيقة، تصدّر فيها ملف “حزب الله” ولبنان بداية المحادثات الإيرانية – الأميركية ومحورها، وكأنه لب الصراع، في حين تكمن البنود الأساسية التي جعلت طهران تجلس إلى طاولة تفاوض مباشرة مع واشنطن، بالملف النووي الذي هو الهدف الأساس للرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي مزّق اتفاقية سلفه الرئيس السابق باراك أوباما، ليصيغ اتفاقاً جديداً لا يمكن أن يكون هجينا، وهو الذي استقدم كامل قوة الجيش الأميركي إلى المنطقة، وقضى مع إسرائيل على هيكلية نظام “الولي الفقيه” بدءاً من المرشد مروراً بالقيادات إلى العلماء وصولاً إلى القدرات العسكرية.
وفي الوقت الذي تتفاوض فيه طهران وواشنطن في المنتجع السويسري، يبقى مشهد الجنوب اللبناني المعضلة الأكبر، فساحته تحولت إلى منطقة أشبه بـ”ستالينغراد” شرق أوسطية… ووقف إطلاق النار الذي تقايض عليه طهران هو مجرد “سلعة” أدخلتها في مزادها لحماية أسوارها من السقوط، كونها ما زالت رابحة بعد أن سقطت ورقة غزة وتلتها الورقة السورية… وحدها ورقة “حزب الله” ما زالت تملك القدرة على مقارعة إسرائيل وجيشها وإن كانت في أنفاسها الأخيرة، بعدما جعلت أبناء الجنوب وقوداً يحترق لتحسين شروطها التفاوضية، فلا هي انتقمت لوليها ولا لأمين عام الحزب حسن نصر الله.. المكسب الوحيد الذي قد يتحقق وقف إطلاق نار لن يعوّض خسائرها الفادحة إنما يعيد لها بعض المكتسبات المالية.
يعتقد المفاوضون الإيرانيون أن الساحة التفاوضية تسمح لهم بتمديد الوقت لتسجيل أهداف غير مضمونة، فترامب الذي يهادنها تارة ليعود إلى رفع عصاه الغليظة مهدداً، بإطلاقه تحذيره المعتاد عبر منصته على “تروث سوشال” قائلاً… “على إيران أن توقف فوراً وكلاءها مدفوعي الأجر في لبنان عن إثارة المشاكل، وإن لم يفعلوا، فسنضرب إيران بقوة كبيرة مجدداً، تماماً كما فعلنا الأسبوع الماضي، ولكن هذه المرة ستكون الضربة أقسى بكثير!”. ولم يقتصر وعيده على منصته بل وجّه عبر شبكة “فوكس نيوز” تحذيراً للوفد الإيراني بأنه “إذا أغلقتم مضيق هرمز فلن يكون لديكم بلد، ولن تتمكنوا حتى من العودة إلى بلدكم”.
جاءه رد إيراني مباشر وحاد على هذا الوعيد، من رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف المشارك في الطاولة التفاوضية، بتصريح أكد من خلاله أنه “من الأفضل للأميركيين أن يكونوا حذرين في تصريحاتهم، فقواتنا مستعدة للرد عليهم بطريقة أخرى، ومهما أكثر الأميركيون من الكلام فنحن من نتحرك وننفذ على أرض الواقع”.
في ختام هذه المحادثات، خرج بيان مشترك عن الجانب القطري والباكستاني بدا وكأنه يمثل إعلاناً لمسار جديد، لكنه في الواقع مجرد مهلة لا تتجاوز الـ60 يوماً تختبر فيها النوايا… من خلال اللجان التي أُنشئت والتي لم تُحدد آليات عملها، وعلى رأسها الملفات الأكثر تعقيداً التي يأتي على رأس قائمتها ملف التخصيب، العقوبات، أمن الملاحة في مضيق هرمز والملف اللبناني الذي سيواجه تحدياً كبيراً بين السقف الإيراني الذي ما زال ممسكاً بالورقة اللبنانية، وكيف سيتعامل معها الوفد اللبناني في الجولة الثالثة المقرر انعقادها في 23 من الشهر الجاري، وهل سيتمكن لبنان من السير في التسوية التي أرادها الرئيس ترامب أم أنه سيستمر ضحية على طاولة المفاوضات الإيرانية الأميركية منتظراً التسويات الكبرى.