الجمعة 18 محرم 1448 ﻫ - 3 يوليو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الشيباني ينهي إرث "عنجر" و"البوريفاج" من بيروت.. تاريخ جديد بين لبنان وسوريا

لطالما كانت السياسة الخارجية للبنان «تُطبخ في أروقة الأمن قبل وزارة الخارجية، لدرجة أن رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في لبنان، اللواء غازي كنعان، كان يتدخل في صياغة خطابات الدولة اللبنانية في الأمم المتحدة والجامعة العربية». هذا الكلام هو الواقع الذي عاشه لبنان طيلة فترة حكم آل الأسد، وقد ورد في كتاب «الرواية المفقودة» لوزير خارجية نظام آل الأسد، فاروق الشرع، الذي ترأس الدبلوماسية السورية على مدى عقود، كاشفًا فيه كيف تحول كنعان من ضابط أمن إلى «حاكم مطلق» يوجّه السياسة الخارجية والداخلية للبنان.

ولم يكن كنعان وحيدًا في ميدان السيطرة على جميع مفاصل الدولة اللبنانية، فالأسماء التي لمع نجمها الأسود على الساحة اللبنانية عديدة، ومعظمها خرج من المشهد إما قتلاً أو انتحارًا أو تسميمًا. أما الثابت المطلق، فهو أن «دمشق هي من كانت تختار رئيس الجمهورية اللبنانية، وتحدد حجم الكتل النيابية». وهذا ما ورد على لسان وزير الدفاع السوري الأسبق، العماد مصطفى طلاس، الذي كشف أيضًا أن «المقياس الوحيد لمباركة دمشق لأي مسؤول لبناني هو مدى التزامه المطلق بالخط الإقليمي لسوريا، وأن أي محاولة لإظهار استقلالية في السياسة الخارجية كانت تُواجَه فورًا بالتهديد الأمني أو الإقصاء السياسي».

لا عودة إلى «تلازم المسارين»

اليوم، وبعد سقوط نظام آل الأسد وتسلّم الرئيس أحمد الشرع مقاليد الحكم، لاحت في الأفق تغييرات جوهرية على صعيد العلاقة بين بيروت ودمشق، التي حكمتها مقولة «تلازم المسارين». وبرز هذا التحول بوضوح من خلال العديد من التصريحات التي أدلى بها الرئيس الشرع في أكثر من مناسبة، مؤكدًا احترام سيادة البلدين. وقد تجلّى ذلك عمليًا من خلال الزيارة الأولى التي قام بها وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى لبنان في أكتوبر من عام 2025، حيث دخل عبر بوابته الرسمية، ومن صالون الشرف، وليس كما درجت العادة عبر معبر المصنع الشهير، ومحطة «عنجر» الأساسية، و«البوريفاج» في قلب العاصمة بيروت.

وتأتي اليوم الزيارة الثانية لوزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، لتشكّل علامة فارقة في تاريخ العلاقة بين البلدين، ودلالة واضحة على تثبيت هذا المسار الجديد. وهي تكتسب أهميتها من خلال الجولات التي أجراها الشيباني على الرؤساء الثلاثة، متوجًا إياها بلقاءات مباشرة مع رؤساء الأحزاب، الأمر الذي اعتُبر ترجمة لتوجه الرئيس الشرع وفريق عمله، وعلى رأسهم الوزير المذكور، الذي أثبت حضوره في المحافل الدولية، ووضع، من خلال هذه الزيارة، «اللبنة» الأولى لعلاقة ندية بين بيروت ودمشق، بما يؤشر إلى بداية مرحلة سياسية جديدة بين البلدين، تقوم على احترام السيادة، مع الحفاظ على تنسيق واسع في العديد من الملفات، وفي مقدمها ترسيم الحدود بين البلدين.

«فخ» سورنة طرابلس

وفي حديث لـ«صوت بيروت إنترناشونال»، تعتبر شخصية طرابلسية عايشت مراحل الاستبداد الأسدي أن المحطة الشمالية التي بدأها الشيباني أمس بلقاء مع الشخصيات الطرابلسية وأبناء الفيحاء، والتي دارت حولها التخمينات والتأويلات بشأن محاولة «سورنتها»، ولا سيما أنه سيؤدي صلاة الجمعة في مسجد «السلام»، الذي اهتز، إلى جانب مسجد «التقوى»، على وقع التفجير الذي راح ضحيته العشرات من المصلين، وأثبت القضاء اللبناني أنه جرى بتخطيط وإشراف من المخابرات السورية، ونفذته خلية لبنانية تولت ركن السيارات المفخخة.

ولا شك في أن محطات زيارة الشيباني تحمل دلالاتها السياسية، بعيدًا عن أي تأويل يستفيد منه بعض المتضررين، بدءًا من زيارته إلى الصرح البطريركي في بكركي ولقائه بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، بشارة الراعي، وهي رسالة واضحة للمصطادين في الماء العكر. أما على صعيد الأحزاب، فقد انطبعت الزيارة بنفحة سيادية، كون معظم هذه القوى كانت ضمن فريق «14 آذار»، الذي لطالما خاصم «دمشق» الأسدية. أما زيارته للرئيس نبيه بري، فتندرج في الإطار البروتوكولي الذي تفرضه صفته الرسمية رئيسًا لمجلس النواب، بعيدًا عن حسابات ثنائيته مع «حزب الله» وسلاحه، ودوره في قمع «الثورة السورية» دعمًا لبشار الأسد.

ويتابع محدثي بالقول: «إنه من الطبيعي أن يزور الوزير الشيباني طرابلس، التي ناصرت الثورة السورية قولًا وفعلًا، وهو ما تثبته غرف السجون في لبنان، حيث ما زال يقبع العديد من أبنائها، وهي المدينة التي دفعت ثمنًا باهظًا من دماء أبنائها على مدى سنوات سيطرة نظام آل الأسد، الذي ارتكب عدة مجازر بحق أهلها، من حصار المدينة وقصفها عام 1983، واجتياح منطقة باب التبانة عام 1986، وتنفيذ إعدامات ميدانية حصدت مئات المدنيين، إلى دوره في الجولات الـ21 القتالية التي دارت رحاها في شارع سوريا، بين باب التبانة وجبل محسن، اللذين ما زالا يحتضنان العديد من فلول النظام.

وها هو اليوم الوزير الشيباني يقف «على خاطر» أهل الفيحاء ليقول: “شكرًا”، لكنها ليست كتلك التي شُكرت بها «سوريا» الأسد يوم خرجت عسكريًا، فيما بقي عملاؤها، كما وصفهم البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير عندما قال: «ليس لسوريا في لبنان أصدقاء ولا حلفاء، بل عملاء». ولا يمكن وضع هذه الزيارة في غير هذا الإطار، لأنها، بخلاف ذلك، ستشكل انقلابًا مباشرًا على الثوابت والوعود التي أطلقها الرئيس الشرع، والتزم فيها ببناء عهد جديد بين البلدين، يرتكز على الاحترام المطلق لسيادة لبنان على كامل أراضيه. فلا عودة إلى «وصاية» استمرت عقودًا، وانطوت صفحاتها مع كسر قيود أبواب السجون السورية التي جمعت اللبنانيين والسوريين في أقبيتها… إنه زمن التحرر من زمن «الاستبداد» الأسدي.