
المحكمة
البارحة طُوي ملف محمد نعيم نواف الخطيب، لتُسدل الستار على واحدة من أكثر قضايا التجسس تعقيداً، والتي بدأت فصولها عام 2002 حين عمل المواطن السوري محمد نعيم نواف الخطيب في مطبخ بإيطاليا، وتواصل هناك مع شخص يدعى “جيوفاني” تبيّن أنه يعمل لصالح “الموساد” الإسرائيلي.
لقد أظهرت التحقيقات أن الخطيب نفّذ مهام متنوعة شملت نقل سيارات مزودة بأجهزة تنصت من إيطاليا إلى الأردن وسوريا، وتهريب أجهزة اتصال “ثريا” وأسلحة عبر ميناء طرطوس باستخدام الرشاوى، بالإضافة إلى جمع معلومات عن شخصيات ومواقع حساسة وإدارة تحويلات مالية للشبكة.
وظل هذا السجل طي الكتمان حتى 2 أيار 2024، حين أُوقف الخطيب عند معبر المصنع الحدودي على خلفية الاشتباه به في قضية احتيال بسيطة، ليكشف فحص هواتفه المحمولة عن أرقام مرتبطة بـ”الموساد” وسلسلة اتصالات وأنشطة امتدت لأكثر من عقدين. ورغم اعترافه الأولي المفصل، تراجع لاحقاً أمام قاضي التحقيق مدعياً الخضوع للضغط، إلا أن التقارير الفنية وتناقض إفاداته دفعت القضاء إلى اتهامه رسمياً بالجناية المنصوص عليها في المادة 278 من قانون العقوبات اللبناني.
وبناءً على الدفع القانوني الذي تقدمت به وكيلته المحامية فاديا شديد، جاء فصل النهاية مرتكزاً على تطبيق الضوابط الإجرائية والصريحة التي ينص عليها القانون الجزائي في شأن التقادم وسقوط الحق العام، متجاوزاً الاعترافات الأولية وما رافقها من ملابسات.
ففي قرار أصدرته المحكمة العسكرية الدائمة في بيروت برئاسة العميد وسيم فياض، وعضوية المستشار المدني القاضي إميل عازار وثلاثة ضباط مستشارين، تجاوبت المحكمة مع الدفع القانوني، وعملت بحكم واجبها على تطبيق المهل الحاكمة للملاحقات الجنائية، متجاوزةً طلب النيابة العامة العسكرية المتمسك برفض طلبات الدفاع ومتابعة المحاكمة.
فقد لاحظت المحكمة عند تدقيقها في أوراق الدعوى أنه لا يتبين من أوراق الملف ومعطياته أن أياً من الأفعال التي بُني عليها القرار الاتهامي قد وقع خلال السنوات العشر السابقة لتاريخ بدء الملاحقة، فضلاً عن عدم تسجيل أي إجراء تحقيقي أو قضائي قاطع لمرور الزمن، أو وجود قوة قاهرة استحال معها إجراء أي من تلك الأعمال بما يؤدي إلى وقف سريانه.
واستناداً إلى البند (ج) من المادة 10 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، أعلنت المحكمة رسمياً سقوط دعوى الحق العام بمرور الزمن العشريني عن محمد نعيم الخطيب، وقضت بالإطلاق الفوري لسراح المتهم، ما لم يكن موقوفاً في قضية أخرى، مع رد كل ما زاد أو خالف لانتفاء الجدوى، ومصدرةً مذكرة كف بحث رسمية أنهت الملف كلياً.
وهكذا، فإن قصة التجسس التي بدأت بصداقة عابرة في مطبخ إيطالي وانتهت خلف قفص الاتهام، وجدت ختامها القضائي في جلسة المحكمة بحكم استند إلى الدفوع القانونية، ليغلق القانون ملف الخطيب الذي بقي خلف القضبان سنة وثلاثة أشهر.