الأثنين 27 صفر 1448 ﻫ - 10 أغسطس 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

ما خلفيات وأبعاد الاتفاقية الدفاعية السعودية-التركية-الباكستانية؟

وقعت السعودية وتركيا وباكستان، يوم الجمعة الماضي، «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، في خطوة تعكس حرص الدول الثلاث على تعزيز أمنها المشترك، وترسيخ الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم، بما يسهم في بناء مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً.

وتنص الاتفاقية على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، كما تشمل تطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعي والأمني بينها.

وجاء توقيع الاتفاقية في توقيت بالغ الحساسية، في ظل التحديات السياسية والأمنية المتزايدة التي تواجه المنطقة، والتغيرات المتسارعة في الشرق الأوسط، إلى جانب التهديدات بهجمات عابرة للحدود من جانب حلفاء إيران، فضلاً عن ترقب الموقف الإسرائيلي من هذا التطور، في ضوء الحساسية الخاصة للعلاقات الإسرائيلية مع كل من تركيا وباكستان.

وتستند الاتفاقية إلى الروابط التاريخية التي تجمع الدول الثلاث، وإلى مصالحها الاستراتيجية المشتركة وتعاونها الدفاعي الوثيق، فيما يشكل تعزيز الردع المشترك أحد أبرز أبعادها.

ويعتبر أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة نورث كارولاينا، البروفيسور خضر زعرور، أن الاتفاق الدفاعي الثلاثي لا يمثل مجرد إعلان سياسي، بل يحمل رسائل متعددة الاتجاهات، أبرزها القدرة على بناء منظومة ردع جديدة تجمع بين الوزن الاقتصادي والاستراتيجي والعسكري والنووي للدول المشاركة.

وأوضح زعرور أن السعودية تمتلك ثقلاً اقتصادياً واستراتيجياً كبيراً، بينما تتمتع تركيا بقدرات عسكرية وتكنولوجية متقدمة، في حين تمتلك باكستان قدرات نووية، مشيراً إلى أن جمع هذه المقومات في إطار واحد يمكن أن يحول القدرات الكامنة لدى كل طرف إلى قوة ردع قابلة للتفعيل.

وأضاف أن الردع الحقيقي يقوم على إقناع الخصم بأن أي تصعيد سيترتب عليه ثمن باهظ، بحيث تصبح كلفة التصعيد أكبر من المكاسب التي يسعى إلى تحقيقها.

ويرى زعرور أن معادلة الحماية الخارجية بدأت تتغير، في ظل بروز توجه نحو إحياء شبكة ردع مشتركة تقوم على الاعتماد على القدرات الذاتية للدول المعنية.

ويعزو ذلك إلى أن أمن دول المنطقة واستقرارها لم يعودا قابلين لأن يبقيا رهينة الحسابات والطروحات الدولية أو الإقليمية الخارجة عن إرادتها.

ويشير إلى أن المنطقة اعتادت لعقود معادلة تقوم على الخوف من قوى إقليمية توسع نفوذها عبر حلفاء وأذرع، في مقابل اعتماد قوى أخرى، بدرجات متفاوتة، على مظلات حماية خارجية.

وفي هذا السياق، يرى زعرور أن الاتفاقية السعودية-التركية-الباكستانية قد تشكل نواة لتغيير هذه المعادلة، والانتقال تدريجياً نحو تحالفات إقليمية مباشرة تستند إلى القدرات الذاتية للدول.

ويتوقع زعرور إمكانية انضمام مصر إلى هذا الإطار في مرحلة لاحقة، باعتبارها قوة سياسية وعسكرية واستراتيجية رئيسية، فضلاً عن علاقاتها الجيدة مع أطراف الاتفاق.

ولا يستبعد كذلك إمكانية انضمام سوريا والعراق مستقبلاً، معتبراً أن التطورات الجديدة قد تفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في المنطقة.

أما لبنان، فيرى زعرور أنه يستطيع دراسة التوازنات الإقليمية الجديدة والاستفادة منها، بما يعزز أمنه واستقراره وسيادة الدولة على كامل أراضيها، ويدعم قدرتها على اتخاذ قراراتها في سياستها الداخلية والخارجية.

ويشير زعرور إلى أن إيران تنظر بحذر إلى تنامي قدرات كل من تركيا وباكستان، وهو ما يقابله حذر إسرائيلي من التطورات المرتبطة بالاتفاقية، ولا سيما في ظل العلاقات المتوترة مع تركيا والحساسية الإسرائيلية تجاه باكستان.

ويرى أن أهمية الاتفاقية لا تكمن في التفوق العسكري وحده، بل في تكامل عناصر القوة بين الدول الثلاث.

فالسعودية تمتلك وزناً اقتصادياً كبيراً ومكانة مركزية في سوق الطاقة، فيما قد يفتح التعاون النووي مع الولايات المتحدة آفاقاً إضافية لاستخدامات الطاقة النووية في مجالات التكنولوجيا والطاقة والاقتصاد.

أما تركيا، فتتمتع بموقع جغرافي استراتيجي وقدرات عسكرية وتكنولوجية كبيرة، بينما تضيف باكستان إلى هذه المعادلة عمقاً استراتيجياً وقدرات عسكرية ونووية، بما يعزز عناصر الردع التي تحتاج إليها المنطقة في ظل التحولات المتوقعة.

ويعتبر زعرور أن هذه المقومات مجتمعة يمكن أن تتيح لخصوم إيران بناء منظومة أمنية أكثر تماسكاً، قادرة على مواجهة التهديدات التي قد تطال السلم الإقليمي، وتعزيز الاستقرار في المنطقة.

ويرى زعرور أن قدرة هذه المنظومة على الاستمرار ستتأثر أيضاً بالتحولات التي يشهدها النظام الدولي، في ظل التحديات التي تواجه الولايات المتحدة والغرب عموماً، بدءاً من الاستحقاقات السياسية الأميركية المقبلة، مروراً بما يصفه بهدر الجهود الدبلوماسية في التعامل مع الملف الإيراني، وصولاً إلى الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن الأعباء التي تفرضها إسرائيل على حلفائها الأميركيين والأوروبيين، والتي باتت تنعكس على مقارباتهم لقضايا المنطقة.

ويعتبر أن هذه التطورات قد تترك انعكاسات واسعة على العلاقات الغربية مع قضايا الشرق الأوسط والعالم، وتدفع دول المنطقة إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن الإقليمي وآليات تحقيقه.

وفي المحصلة، يرى زعرور أن المنطقة تقف أمام فرصة للاستفادة من «عقل استراتيجي إقليمي جديد»، ينتقل بها من عصر الاعتماد على المظلات الخارجية إلى عصر التحالفات المباشرة، ومن انتظار الحماية الخارجية إلى تعزيز القدرة على حماية الاستقرار الإقليمي ذاتياً، من خلال بناء منظومات ردع تستند إلى القدرات والإمكانات الموجودة وتفعيلها ضمن أطر تعاون واضحة.