
الرئيس جوزاف عون
سيظل موعد المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية محط تكهنات، في وقت ما زالت النيران تعصف بالجنوب اللبناني، والتطورات الميدانية التي أعلنتها إسرائيل وتمثلت بسقوط تلة الطاهر، التي تصدرت على مدى أشهر التحليلات حول أهميتها ومن يتحصن فيها، إلى أن أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير بعض مسارات أنفاقها، سترخي بظلالها على موعد المفاوضات الذي ما زال غير مقرر أو محدد.
أما الحدث الأبرز، والذي يطرح تساؤلات عديدة، حول فحوى زيارة السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى إلى تل أبيب ولقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل مايك هاكابي، وما تم بحثه في هذا اللقاء غير المألوف الذي يطرح العديد من علامات الاستفهام.
هذا الاجتماع، وعلى هذا المستوى، وما يمكن أن يكون قد نوقش في كواليسه، طرحت “صوت بيروت إنترناشونال” أسئلتها على عضو الحزب الجمهوري ومدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية توم حرب، وهو إحدى الشخصيات المتابعة والناشطة على خط بلده الأم لبنان، ورؤيته لما يدور في كواليس الإدارة الأميركية التي تصر على استمرار مسار التفاوض، وإن كان سيعود إلى الانعقاد.
رأى حرب أن الزيارة التي قام بها عيسى إلى تل أبيب تؤشر إلى غياب الثقة بالمفاوض اللبناني، وأنه على مستوى أعلى، إذا أراد الإسرائيلي شيئًا، فسيكون عيسى هو الشخص الذي يبحث معه فيه… ومرد هذا الأمر، بحسب حرب، إلى أن المفاوض اللبناني وصل إلى سقف معين لا يستطيع فيه تقديم شيئًا أكبر أو أهم، لأن الرئيس جوزف عون وقيادة الجيش أعطيا المفاوض اللبناني حدودًا معينة ترتبط بـ”المناطق التجريبية”.
وفي الوقت نفسه، لفت حرب إلى أن الرئيس عون سعى جاهدًا للحصول على موعد زيارة للبيت الأبيض، لافتًا إلى أن الالتزامات التي تقدم بها ساهمت في تحديد الموعد، وهي ارتبطت بحسب حرب، في إقرار الدولة اللبنانية بأن “حزب الله” يشكل خطرًا على لبنان أكثر من إسرائيل، وهو ما حرص عليه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بشكل دائم، ما دفع الدولة إلى وضعه في اتفاق 3 و26 حزيران والموافقة عليه، ومن ثم إقرار “اتفاق الإطار” على ألا يتراجع عما تعهد به.
ويتابع حرب عندما عاد عون من واشنطن بدأ بالتراجع عن هذه الالتزامات، وهذا الأمر ساهم في الخرق الذي حصل من خلال اللقاء الذي جمع عيسى بنتنياهو… ويبدو أن أولى بوادره كانت إطلاق عدد من الأسرى مقابل رفات إسرائيليين في لبنان. هذا اللقاء تدعم، بعدما ثبت أن المفاوض اللبناني لا يمكنه تخطي البنود والخطوط التي رسمت للتفاوض، لا سيما وأن الرئيس عون حصر التفاوض بشخصيات معينة وفي إطار معين حدد مساره، وكان من المفترض أن يكون وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي أحد أبرز أعمدة الوفد.
وفق تقديرات توم حرب، لا يوجد تبادل للأسرى من دون أبعاد أخرى، موضحًا أن استعادة رفات مواطنين إسرائيليين تعد ملفًا أساسيًا في حسابات التبادل، وقد تشمل العملية أيضًا رفات أفراد من الجالية اليهودية التاريخية في لبنان كجزء من التسوية. وقد يكون هذا الملف أحد البنود التي تمت مناقشتها، في لقاء عيسى بنتانياهو، والتي لا يمكن توصيفها بلقاء تفاوضي بالمعنى التقليدي، إنما هي تثبيت لهذا البحث ووضع الجميع أمام مسؤولياتهم، لا سيما في ظل لجوء إسرائيل للبحث المباشر نظرًا لغياب الثقة بالمفاوض اللبناني.
موقف بري والشروط المضادة
أما في ما يرتبط بالشروط التي وضعها رئيس مجلس النواب نبيه بري، وهي، وفق ما أعلنها، تنسف الشروط التي وضعت على طاولة المفاوضات، ومدى تأثيرها على المسار التفاوضي، فإن قراءة حرب تنطلق من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يريد ترك الأجواء هادئة، مشيرًا إلى أن ترامب خلال الأسابيع العشرة التي تسبق الانتخابات يركز على الوضع الداخلي الاقتصادي وأسعار النفط وحفظ استقرار البورصة في أميركا.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فستظل، بحسب حرب، ممسكة بالوضع العسكري مع الحفاظ على عامل الاستقرار الداخلي، لافتًا إلى أنه كائنًا من كان سيربح في الانتخابات في إسرائيل، فإن المهمة ستستكمل.
وبالعودة إلى كلام نبيه بري، أشار حرب إلى أن الدولة اللبنانية وقيادة الجيش اتخذتا قرار عدم تنفيذ الالتزامات بانتظار التغييرات في الوضع الإقليمي، وهذا يقودنا إلى أن الجيش لن يخوض أي مواجهة مع “حزب الله”، وهذا الأمر يستغله نبيه بري، ولو أن الدولة تبدأ بالمحاسبة، حتى ولو واجهت الحزب، فإن الحزب سيخسر، حيث إن نسبة كبيرة من اللبنانيين باتت ضده وينسحب الأمر على الرئيس عون الذي يبدو، بعد عودته من أميركا، وكأنه يضع رجلًا في وادٍ والأخرى في الجهة المقابلة.
ترامب ونتانياهو والحسابات الانتخابية
وبسؤاله عن إمكانية التصعيد الإسرائيلي، خصوصاً أن الانتخابات الأميركية محكومة بالوضع الداخلي الاقتصادي، في حين أن الانتخابات الإسرائيلية مرهونة بأمن إسرائيل، وما إذا كان ذلك سيعطي إيران وقتاً إضافياً للمناورة وترميم قدراتها، أكد حرب أن ترامب قد حصّن هذا الأمر من خلال العقوبات الاقتصادية الخانقة على طهران، والتي قد تدفع الشارع الإيراني نحو التصعيد داخلياً، ليتحرك “الباسيج” والقوى الأخرى تبعاً لذلك، فتتدخل الولايات المتحدة على إثرها، وهو ما يفسر دعوة ترامب الأخيرة للشعب الإيراني بالتظاهر. ولفت حرب إلى أن المظاهرات التي شهدتها طهران العام الفائت دفعت الناس للتساؤل عن موقف الأميركيين، مبيناً أن استراتيجية واشنطن كانت تقتضي أولاً تأمين بديل للنفط قبل ضرب طهران، ولذا قامت الإدارة الأميركية بتحضيرات للإطاحة بنيكولاس مادورو، وهي عملية أخرتها تعقيدات لوجستية حتى مطلع العام الجديد، لتتفرغ بعدها للخط الإيراني. وأشار إلى أن تلك التظاهرات حدثت من دون تنسيق مسبق مع واشنطن ودون ملاءمة في التوقيت، وهو أمر كاد أن يشكل خطورة بالغة على سعر برميل النفط ليصل إلى 200 دولار.
وبالعودة إلى فارق الأولوية بين الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، ورغم اختلاف الغاية وصولاً للسلطة، حيث يظل أمن إسرائيل هاجساً مشتركاً لجميع المرشحين، تطرق حرب إلى لقاءات جمعته بأكثر من 100 شخصية مع السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة، الذي أكد على عدم وجود طموحات إسرائيلية في الأراضي اللبنانية، سوى الاستمرار في العمل حتى إزالة تهديد “حزب الله” في العمق أينما وجد، وهذا ما أكده عليه البارحة وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إلى أن إسرائيل ستنسحب في حال تم تجريد الحزب من سلاحه، وهو أيضاً مدرج في “اتفاق الإطار”.
ومع سقوط تلة الطاهر فعلياً لتشكل ورقة رابحة لنتنياهو، يرى حرب أن الأخير استطاع القتال على جبهات سبع وتحقيق مكاسب فيها. أما في النظرة الثانية المتعلقة بالسلام مع الدول العربية، فيرى حرب أن الإسرائيلي مستعد لدعم مرشح أكثر تطرفاً لتحقيق السلام، لأن نظرتهم تمتد للعقدين المقبلين، سيما في ظل غياب اليسار عن الساحة واقتناعهم بأن تغيير نتنياهو لن يلغي فكرة السلام.
الأنفاق وتلة علي الطاهر
وبالنسبة إلى الأنفاق التي لا يمكن، بحسب حرب، إلا أن تكون إسرائيل قد رصدتها، ولهذا يجب إعادة التذكير بما حصل عام 2006، يوم لم توافق الدولة على وضع لبنان تحت البند السابع، متسائلاً كيف لإسرائيل أن تتحرك على خط ضرب هذه الأنفاق طالما أنها لم تشكل خطراً فعلياً عليها آنذاك.
وعن رؤيته لما حصل في الجنوب من تدمير يصعب إعادة إعماره، لفت حرب إلى أن هناك إمكانية لرفع الدولة دعوى ضد طهران لتحصيل تعويضات من الأموال الإيرانية المجمدة، والتي ستسهم في إعمار الجنوب والمناطق الأخرى.