
رئيس مجلس النواب نبيه بري
مع إعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري، في الكلمة التي ألقاها في الذكرى السنوية لتغييب الإمام موسى الصدر، رفضه اتفاق الإطار والتفاوض تحت النار، مدعّمًا موقفه بتحذيرات من أي ترتيبات تحوّل الجنوب إلى منطقة عازلة أو حزام أمني، يكون قد أطلق رصاصة الرحمة على الجولات السبع التي جرت بين لبنان وإسرائيل، وعلى المناطق التجريبية التي تتأرجح على وقع الميدان المتصاعد الذي يزنّرها بالنار.
وتشكّل هذه الرسائل عناوين لبنود يشترطها «أبو مصطفى» في وجه الجولة الثامنة، التي يبدو أن تحديد موعدها متعثّر أمام التطورات الميدانية المتزايدة اشتعالًا، ما يجعل المسار التفاوضي محفوفًا بالألغام، وقد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر.
فقد جدّدت إسرائيل غاراتها بعدما حمّلت الحزب مسؤولية إطلاق المسيّرات الخمس تجاه قواتها. إلا أن الحدث الجديد، الذي يُعدّ مؤشرًا إلى تصعيد أكبر، هو ما أورده مراسل القناة «12» العبرية بشأن حقيقة الجسم المشبوه الذي اجتاز الأراضي اللبنانية باتجاه منطقة كفار يوفال، حيث تعاملت معه إسرائيل بصواريخها الاعتراضية.
لكن اللافت في خبر المراسل إشارته إلى الحدث بعبارة «لأول مرة منذ فترة طويلة»، وتذكيره بتهديدات وزير الدفاع يسرائيل كاتس بأن «أي إطلاق نار على المستوطنات الشمالية سيؤدي إلى هجوم على بيروت».
ورغم إعلان الجيش الإسرائيلي أنه اعترض هدفًا وهميًّا، إثر تحقيقاته الأولية، يُطرح السؤال حول الازدواجية في التعاطي مع هذا الحدث، والإشارة إلى أن النتائج تستند إلى تحقيقات أولية: فهل تتبدّل المعطيات في مرحلة لاحقة ليستغلها نتنياهو في تغيير قواعد الاشتباك، بما يوقف المفاوضات ويفتح الباب أمام توسيع المواجهة؟
تشي هذه التطورات الميدانية والسياسية بأن الأمور تتجه نحو تصعيد أكبر، مع استمرار إسرائيل في عملياتها العسكرية وبناء الطرق والمواقع في الجنوب. وإذا ثبتت مسؤولية «حزب الله» عن المسيّرة، فإن دلالتها تتجاوز حجم العملية العسكرية بحد ذاتها، لتصبح مؤشرًا إلى أن القدرة العسكرية للحزب لا تزال تشكّل خطرًا على الشمال الإسرائيلي، مع الأخذ في الاعتبار نوع المسيّرة لتحديد مكان إطلاقها، وهو ما ستبني عليه إسرائيل عملياتها العسكرية المقبلة.
وتزامنت هذه التطورات مع الإعلان عن اجتماع عقده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، بحضور السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي. وهو اجتماع يكتسب دلالة خاصة لناحية توقيته، لعدة أسباب، أبرزها مواقف السفير هاكابي الداعمة لسحق «حزب الله».
وهنا يُطرح السؤال عن الهدف من هذا الاجتماع، ولا سيما أن السفير عيسى صعّد مواقفه تجاه «حزب الله»: فهل دخل على خط التهدئة لتهيئة الطاولة للجولة الثامنة، ونقل وجهات النظر التي خلص إليها خلال جولاته الأخيرة؟
لا تشي المؤشرات بإمكان تهدئة الجبهة، وقد يكون مسعى السفير عيسى الأخير غير قابل للصرف لدى نتنياهو، الذي يبدو أنه لن يوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، ولا سيما تلك المرتبطة بتلة الطاهر، التي سيكون إسقاطها ورقة ضغط كبيرة على المسار التفاوضي، في حال انعقاد جولته المقبلة.
## الموقف الإيراني وحسابات «حزب الله»
يرى أحد المحللين، في حديث إلى موقع «صوت بيروت إنترناشونال»، أن استمرار التصلّب في موقف «حزب الله»، الذي ترجمه بري في كلامه الأخير، يؤكد أن طهران لن تتخلى عن ورقة الحزب ولن تساوم عليها.
فمع تصاعد الضربات الأميركية ضدها، ولا سيما ضربات الأمس، التي ترافقت مع تهديدات صادرة عن المؤسسات السياسية والأمنية الإيرانية بالرد من خلال استهداف القواعد والمنشآت العسكرية التابعة للجيش الأميركي في المنطقة، ومع التحذيرات الأميركية لرعاياها في لبنان وإسرائيل، تبدو طهران متمسكة برهانها على ورقة «حزب الله»، ولا تزال ترى فيه أداة ضغط، حتى لو أوصلته إلى الانتحار.
ووفق المحلل، تؤشر معطيات عديدة إلى وجود استعدادات إيرانية لمواجهة مختلفة، قد تشهد مشاركة مباشرة للحرس الثوري في الخطوط الأمامية، وسط تركيز إسرائيلي على تفكيك شبكات الأنفاق والتحصينات العميقة في مناطق مثل سجد، وجبل الريحان، والمنصوري، والقنطرة.
وفي الختام، يبدو أن معالم المرحلة بدأت تتكشف مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي، إذ لا يمكن لإسرائيل أن تجلس إلى طاولة التفاوض بعدما نعت مناطقها التجريبية. ويُضاف إلى ذلك أن الشروط التفاوضية باتت مزدوجة بعد إعلان بري شروطه.
وهذا ما يدفع إلى التشكيك في إمكان استئناف المفاوضات، ويثير خشية من بقاء الطاولة ومقاعدها خالية من المفاوضين، في وقت يبدو أن الرهان الإسرائيلي لا يزال يميل نحو الحسم العسكري، لفرض وقائع جديدة قبل العودة إلى طاولة المفاوضات.