في لبنان كل شيء بالمقلوب. المتهمون قضاة، والقضاة متهمون. شياطين السياسة يدعون البراءة دائما، اما ملائكة العدل فمدانون مجرمون. انه باختصار ما يحصل منذ سنة الى الان في جريمة تفجير المرفأ. فكلما اقترب محقق عدلي من قطف الرؤوس الكبيرة والتحقيق معها والادعاء عليها قامت القيامة عليه ولم تقعد. فما حصل اولا مع المحقق العدلي الاول فادي صوان يتكرر اليوم مع المحقق العدلي الثاني طارق البيطار. فهذا الرئيس خط احمر. وذاك الوزير ممنوع الاقتراب منه. وذلك المسؤول محمي من اركان طائفته ومن المرجعيات الروحية.
فهل التحقيق العدلي او غير العدلي ممكن في مثل هذه الظروف والاوضاع؟ وهل الوصول الى الحقيقة وتحقيق العدالة متاحان؟ واللافت ان كل شيء انطلق بعدما اطلق المرشد الاعلى للجمهورية اللبنانية حسن نصر الله صافرة البداية. فهو هاجم لمرتين متتاليتين المحقق العدلي طارق البيطار فاستوعب الجميع الرسالة. هكذا تحرك وفيق صفا في اتجاه العدلية في بيروت، وهكذا بدأت دعاوى الارتياب ترفع ضد محقق عدلي لم يعرف عنه يوما الا انه رمز الكفاءة والنزاهة في آن. فما اشبه اليوم بالبارحة، والمقصود بالبارحة هنا، ما حصل بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
يومها استنفر الحزب كل قواه، وصار نصر الله يعقد كل اسبوع مؤتمرا صحافيا ليظهر خطأ القضاة وانحيازهم وتسييسهم القضية! نحن اذا في “المغطس” ذاته وتقريبا في الحالة عينها. فكما ان الحزب رفض حينها التحقيق الدولي والمحكمة الدولية، ها هو اليوم يرفض التحقيق العدلي والمحكمة اللبنانية! أفلا يعني هذا ان الحزب كما بنى قواه العسكرية والامنية ومدرسته ومستشفاه ومتجره ومازوته، بدأ يبني الان محاكمه الخاصة ويؤسس لحقيقته الخاصة وعدالته الخاصة. مسكينة ايتها العدالة في لبنان، إذ كم من الجرائم ترتكب باسمك!!