
البرنامج النووي الإيراني - تعبيرية
في أواخر شهر مايو/ ايار 2025 سُرِّبت تقارير حساسة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتُلقي بظلالها على المشهد الدبلوماسي المعقّد. هذه التقييمات كشفت عن تصعيد مقلق في وتيرة تخصيب إيران لليورانيوم، وصولاً إلى مستويات عالية بنسبة 60% ، في خطوة تثير قلقاً دولياً بالغاً. يأتي هذا التقدم النووي الإيراني وسط أجواء من المفاوضات المبهمة المصير مع الولايات المتحدة، مما يزيد من تعقيد المشهد ويطرح تساؤلات حادة حول مستقبل الاتفاق النووي وأمن المنطقة.
التقرير أشار إلى زيادة كبيرة في مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% ليبلغ حوالي 408.6 كيلوغرامات وهي كمية تكفي نظرياً لإنتاج عدة أسلحة نووية إذا ما تم تخصيبها لمستويات أعلى. كما أثار التقرير مخاوف جدية بشأن أنشطة نووية سابقة لم تُعلن عنها إيران في ثلاثة مواقع على الأقل (لافيسان-شيان، وورامين، ومريوان)، مشيراً إلى أن طهران لم تقدم تفسيرات كافية حول آثار اليورانيوم المكتشفة في هذه المواقع.
تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأخير لم يشكل مفاجأة كاملة، كون الحديث عن زيادة طهران لمستوى التخصيب قد أُثير في الأشهر الماضية. إلا أن الخطورة تكمن في توقيت هذا الإعلان، حيث تفرض الولايات المتحدة شروطًا قاسية على طهران، لجهة منعها من التخصيب بشكل كامل. يأتي هذا في وقت لم يتم فيه تحديد موعد جديد لجولة سادسة من المفاوضات الشاملة، وتشهد فيه العلاقات الإيرانية-الأوروبية تصعيدًا مستمراً. وقد اعربت دول الترويكا الأوروبية (فرنسا، ألمانيا، والمملكة المتحدة) عن قلقها البالغ إزاء تجاوز إيران التزاماتها بموجب الاتفاق النووي لعام 2015 ورفع مستويات التخصيب. تعتبر هذه الدول أن التخصيب بنسبة 60 % و خطوة خطيرة تقرب إيران أكثر من القدرة على صنع سلاح نووي، وهو ما يمثل تهديداً للأمن الإقليمي والدولي، وهذا ما دفعها الى التهديد بإعادة فرض العقوبات من خلال تفعيل “آلية الزناد” المنصوص عليها في الاتفاق النووي، والتي تسمح بإعادة فرض جميع عقوبات الأمم المتحدة على إيران في حال انتهاكها للاتفاق.
في ظل هذا الجمود، تحذر التحليلات المتعددة من المخاطر الجسيمة لتعثر المفاوضات النووية. هناك احتمال حقيقي لتفعيل “آلية الزناد” من قبل القوى الغربية في الأسابيع القادمة، مما سيسمح بإعادة فرض العقوبات الدولية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق. هذا التهديد يثير قلقاً بالغاً داخل النظام، إذ يخشى قادته من أن تؤدي العقوبات الجديدة إلى انهيار اقتصادي يُفاقم التضخم ونقص الإمدادات، وقد يدفع الشعب نحو احتجاجات واسعة. يبرز هذا الوضع تناقضاً صارخاً بين الشعارات التي تؤكد على القوة النووية كأداة ردع، وبين الواقع الذي يتطلب التفاوض لتخفيف الضغوط الاقتصادية، مما يضع النظام أمام خيارات محدودة ومعقدة.
في ختام هذا المشهد المعقد، تُشير التطورات الراهنة إلى أن إيران تقترب أكثر من أي وقت مضى من عتبة القدرة النووية، وذلك مع استمرارها في رفع مستويات التخصيب بالتوازي مع مفاوضات دولية غامضة المصير. هذا الواقع لا يغذي المخاوف الإقليمية فحسب، بل يرفع أيضاً من احتمالية إقدام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على توجيه ضربة عسكرية لطهران، في محاولة لجر الولايات المتحدة إلى هذا الصراع المباشر. في وقت تتصاعد في واشنطن، الأصوات من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي على حد سواء، مطالبة بضرورة توجيه ضربة عسكرية لطهران. هذا التطور يفرض ضغطاً هائلاً على الرئيس دونالد ترامب، الذي قد يجد نفسه مضطراً للالتحاق بهذه الضربة أو الموافقة عليها، خاصة وأنه لم يتمكن بعد من حل الملف الأوكراني- الروسي المعقّد. فالرئيس لم يعد يملك ترف الوقت، فمع اقتراب الانتخابات النصفية، يواجه ضغوطاً متزايدة لتقديم نتائج ملموسة للمشاريع التي طرحها خلال حملته الانتخابية، مما يضعه في موقف حرج أمام هذا التحدي النووي المتفاقم الذي قد يحدد مصير ولايته.