الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الحرس الثوري الإيراني.. إمبراطورية القمع والنهب تحت عباءة "ولاية الفقيه"

ما زال الملف النووي الإيراني يشغل العالم بأسره، ولا سيما الولايات المتحدة. ورغم إلغاء الاتفاق النووي خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، ظل هذا الملف يمثل إحدى الأولويات القصوى. خطورته تكمن في أن نظام ولاية الفقيه وضع له خطوط دفاع استراتيجية تمثلت في الانتشار الواسع أيديولوجياً وعسكرياً في البلدان المحيطة، مما شكَّل خطوط دفاع متقدمة تحمي النظام والبرنامج النووي معاً. ومع عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة، اشتدت وتيرة الضغط والضربات التي تستهدف تفكيك أذرع الحرس الثوري وتقطيع أوصالها في العواصم التي كانت تسيطر عليها. لكن موضوع المفاوضات حول الملف النووي خفّتت وتيرته، نظراً لتركيز الرئيس ترامب حالياً على ملفات أخرى تعتبر أولوية، مثل ملفات غزة، وسوريا، ولبنان، بالإضافة إلى الملفات الاقتصادية الساخنة. ورغم أن هذه الضربات لم تتمكن من إنهاء النفوذ الإيراني الإقليمي بشكل كلي، فإن طهران ما زالت تعاند وترفض الجلوس على طاولة المفاوضات. وما زالت تستعين بكل ما بقي لها من نفوذ في تلك العواصم لحماية نظامها، رغم الخسائر العسكرية والبشرية التي لحقت بها على صعيد الرؤوس التي كانت تشكل أعمدة لهذا النظام، وعلى رأسهم قاسم سليماني.

القوة الاقتصادية وآلة القمع

في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي وضع أركانها الإمام الخميني بعد عودته من منفاه الباريسي تحت مسمى “الثورة الإسلامية”، يعد الحرس الثوري الكيان الأقوى والأكثر خطورة. بدأ الخميني ببناء أركان نظامه، بإنشاء ما أطلق عليه “الحرس الثوري” ليكون حارساً أيديولوجياً له. إنه السلطة الحقيقية التي تدير البلاد وتُمثل الإمبراطورية المتنامية لـ “ولاية الفقيه”. يجمع الحرس في هيكله بين آلة القمع الداخلي الساحقة لصوت الشعب، والذراع الاقتصادي الهائل الذي يسيطر على ما يقدر بـ 90% من ثروات البلاد. ولذلك، فهو يُعتبر العمود الفقري لنظام ولاية الفقيه والضامن الوحيد لبقائه، بتحوله إلى قوة عسكرية وأمنية واقتصادية شاملة ومطلقة.
لم يعد الحرس الثوري مجرد مؤسسة عسكرية، بل كيان مهيمن على الاقتصاد الإيراني. لقد تغلغل عبر شركات واجهة ضخمة في قطاعات حيوية مثل النفط والغاز والاتصالات والبناء والتعدين، ويُعد مقر “خاتم الأنبياء” للإعمار النموذج الأبرز لهذا الاحتكار. هذه الثروات تُستخدم لتمويل عمليات النظام الخارجية ودعم الميليشيات التابعة له. لم يكتفِ الحرس بالجغرافيا الإيرانية، بل تمدد نفوذه عابراً للحدود لفرض هيمنته ونشر فكر ولاية الفقيه، عازماً على إنشاء “حزام” يمر بالعراق وسوريا وصولاً إلى لبنان، بالإضافة إلى خلاياه النشطة في الدول الخليجية والغربية والولايات المتحدة. في المقابل، يتجلى دوره كآلة قمعية في كل انتفاضة شعبية شهدتها إيران، فمنذ انتفاضة 2009 وصولاً إلى ثورة 2022، استخدم الحرس وقوات “الباسيج” القوة المفرطة ضد المتظاهرين العزل. مهمته الأساسية هي حماية سلطة المرشد الأعلى، والفساد الاقتصادي والقمع السياسي وجهان لعملة واحدة في بنيته.

الهيكل القيادي

يشرف المرشد الأعلى علي خامنئي مباشرة على الحرس الثوري، مما يمنحه سلطة مطلقة تفوق مؤسسات الدولة الرسمية. ويتكون الحرس من عدة أفرع قيادية وأمنية واقتصادية، منها ،قوة القدس بقيادة إسماعیل قاآني، ومنظمة “الباسيج” بقيادة غلام رضا سليماني، ومنظمة استخبارات الحرس بقيادة مجید خادمي. أما الأذرع الاقتصادية الرئيسة، فتتمثل في مقر خاتم الأنبياء للبناء، ومؤسسة تعاون الحرس.
بالرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحرس الثوري، لا سيما اغتيال أبرز قادته مثل قاسم سليماني في غارة أمريكية قرب مطار بغداد مطلع عام 2020، فإن هذا الكيان لا يزال يمسك بزمام السلطة ويواصل إدارة شبكته الواسعة من الميليشيات خارج الحدود. وقد كان سليماني يُعتبر عرّاب هذا المشروع الإقليمي واغتياله شكّل ضربة مباشرة لـ “المسار الإيراني” الذي كان يتولى وضعه على الأرض موضع التنفيذ. وشهد الحرس خسائر لقادته البارزين مثل حسين همداني وحميد تقوي ومحمد علي الله دادي قبل 2020، بالإضافة إلى الحاج حسن طهراني مقدم، “أب الصواريخ الإيرانية” ومؤسس البرنامج الصاروخي، واستمرت بعده لتطال محمد رضا زاهدي ومحمد هادي حاجي رحيمي وداوود جعفري.هذه الخسائر البشرية يضاف اليها الخسائر المالية ، فهي تواصل إنفاق مليارات الدولارات على تمويل أذرعها العسكرية في الخارج، في سياسة تبدو أقرب إلى الانتحار المالي. فقد تكبدت خسائر جسيمة نتيجة الضربات الجوية التي استهدفت مخازن أسلحة ومراكز تدريب تابعة للحرس الثوري في سوريا والعراق، واضطرت إلى تغيير أساليب التهريب من الشاحنات إلى السيارات المدنية لتقليل الخسائر. في لبنان، يستنزف دعم “حزب الله” خزينة الدولة، بينما في اليمن والعراق، تبتلع الميليشيات المدعومة إيرانيا موارد ضخمة دون أي عائد استراتيجي ملموس. هذا الإنفاق المفرط يأتي في وقت يعاني فيه المواطن الإيراني من تدهور الخدمات الأساسية، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل سياسة تصدير الثورة عبئًا داخليًا متفاقما.ورغم هذه الخسائر، لم تتراجع قبضة الحرس الثوري، فهو مستمر في دعمه لاذرعه في الخارج، مستندا إلى منظومة عسكرية واستخباراتية عابرة للحدود.
وفي هذا السياق، يؤكد الحرس الثوري باستمرار على قدراته الدفاعية، حيث أقام مؤخرا معرضاللدفاع في حديقة الفضاء الوطنية بطهران، قدم فيه صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية متطورة مثل الطائرة المسيرة “شاهد 161″، ذات مدى 150 كيلومتراً، لمهام الاستطلاع والمراقبة والقتال. وتأتي هذه الخطوات وسط تأكيد إيراني على ضرورة استمرار التطوير لمواجهة التهديدات الخارجية. وفي ذات السياق، تستعد إيران لمواجهة أي تهديد مباشر، حيث أشارت تقارير إعلامية إلى شرائها العديد من أنظمة الدفاع الجوي الحديثة من روسيا والصين، كما أرسل الجيش الإيراني طيارين إلى روسيا للتدريب على مقاتلات سوخوي 35.
في الخلاصة لما ورد ان الحرس الثوري ليس مجرد جزء من النظام، بل هو نواته الصلبة. لا يمكن الحديث عن إصلاح أو تغيير حقيقي في إيران دون تفكيك هذه المؤسسة القمعية الفاسدة، لذلك فإن أي حل حقيقي لمأساة الشعب الإيراني يبدأ بتفكيكه، وبناء جمهورية ديمقراطية تقوم على إرادة الشعب.