
الرئيس جوزاف عون
على وقع التوغل العسكري الإسرائيلي المتصاعد جنوب لبنان وإصرار “حزب الله” على “وحدة ساحته” مع نظام “الولي الفقيه” رغم الخسائر التي مني بها، يواجه لبنان اليوم ما هو أخطر من التطور الميداني، إنه مشهد الانهيار الشامل الذي يضع السيادة الوطنية على المحك، وبينما تكتفي إيران بدور المتفرج على انهيار ذراعها في لبنان لخدمة أجندتها، يبرز مقترح الرئيس جوزيف عون بالتفاوض كطوق نجاة أخير لفرملة آلة الحرب، إلا أن هذا المسار يصطدم بـ “لاءات” تخوينية ومناورات سياسية تحاول تجريد رئاسة الجمهورية مما تبقى من صلاحياتها الدستورية، إن موقف “حزب الله” الحاد واتهاماته للوفد المفاوض بالتبعية لا يمكن أن تسقط حقا سياديا كرسته المادة 52 من الدستور، والتي تمنح الرئيس صلاحية التفاوض دون قيد أو شرط، بعيدا عن كيديات التعطيل الممنهج التي تحاول رهن مصير البلاد بانتظار إشارات الخارج، ومن هنا لا بد من التشريح القانوني لجوهر هذه الصلاحية في مواجهة محاولات تطييف العمل التقني ومصادرته.
الآلية الدستورية
المدخل الحقيقي لأي بحث في ملف المفاوضات والاتفاقيات الدولية يجب أن يبنى على مرجع دستوري واضح وثابت وهو نص المادة 52 من الدستور اللبناني، هذا النص، كما يوضح الدكتور دريد بشرّاوي مستشار في المحكمة الجنائية الدولية، محام عام دولي أسبق في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ، عبر “صوت بيروت انترناشونال”، يمنح رئيس الجمهورية صلاحية التفاوض بشأن المعاهدات الدولية وهي صلاحية حصرية لكنها محدودة في آن واحد، ومن الضروري هنا توضيح المعنى والتمييز بدقة بين مرحلتين، الأولى مرحلة التفاوض والثانية مرحلة الإبرام التي لا تشمل أي تفاوض مع طرف خارجي بل هي عملية داخلية بحتة، معطاة بموجب الدستور بشكل حصري لمجلس الوزراء، وفي حالات معينة كما نصت المادة 52 من الدستور ، لا يمكن ابرام الاتفاقلات الدولية الا بعد موافقة مجلس النواب وهي المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والنعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة ، اي تلك التي تمتد اثارها الى ما بعد سنة واحدة ولا يمكن فسخها باشعار سنوي.
وفي هذا السياق, يبرز تفريق لغوي بين مصطلع المعادة ومصطلح اتفاقية ولكن لا يوجد فرق جوهري من حيث القيمة القانونية الالزامية في القانون الدولي العام فكلاهما يعد متى استوفى شروطه اتفاقا دوليا يخضع لقواعد اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 ولاسيما للمادة 2 من هذه الاتفاقية التي تعرف الاتفاقية والمعاهدة على انها اتفاق دولي يبرم بين الدول كتابة ويخضع للقانون الدولي سواء ورد في وثيقة واحدة أو اكثر وايا كانت تسميته الخاصة . وعليه ان العبرة ليست للاسم “معاهدة، اتفاقية، بروتوكول، ميثاق ، عهد ،او مذكرة تفاهم ” ، بل لطبيعة الالتزامات القانونية التي ينشئها النص. ولكن لا بد من الاشارة الى ان مصطلح معاهدة يستخدم غالبا للدلالة على اتفاق دولي ذي طابع دولي او استراتيجي مهم ، ثنائي او متعدد الاطراف يتناول مسائل اساسية مثل الحدود ، السلام، الدفاع او التحالف . اما مصطلح اتفاق دولي فيستخدم عادة للدلالة على اتفاق متعدد الاطراف يضع قواعد عامة ومجردة ويهدف الى تقنين مجال قانوني معين.
الكلمة الفصل في الابرام
وهنا تكمن العقدة السياسية والدستورية الأبرز في آلية وصول هذا الاتفاق إلى مجلس الوزراء، فالنص الدستوري واضح بأن رئيس الجمهورية يتولى التفاوض بالاتفاق مع رئيس الحكومة، فإذا لم يكن على توافق تام مع رئيس الجمهورية حول بنود الاتفاق، يمكنه استخدام صلاحياته الدستورية في وضع جدول أعمال مجلس الوزراء لمنع عرض الاتفاق على الطاولة كليا، مما يقود بالتبعية إلى خنق الاتفاق في مهده وعدم إحالته للنقاش.
أما في حال تخطي عتبة التوافق الثنائي بين الرئيسين، ووصول الاتفاق أو المعاهدة إلى مجلس الوزراء، فإن الكلمة الفصل تصبح للسلطة التنفيذية المجتمعة، حيث يعرض النص على التصويت وبالتالي، يمتلك مجلس الوزراء الصلاحية الكاملة لإسقاط الاتفاق إذا لم ينل هذه الغالبية المحددة، مما يؤكد أن مرحلة التفاوض التقني التي يقودها رئيس الجمهورية تظل محكومة في كل خطواتها بالسياسة حصرا، سواء عبر آلية العرض التي يملك مفتاحها رئيس الحكومة، أو عبر التصويت الذي قد يسقطه في مجلس الوزراء.
إن التفاوض، وفق الدكتور بشراوي، يجري بالاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، لكن الوفد المفاوض يختاره رئيس الجمهورية بناء على معايير تقنية واختصاصية بحتة، والمحاولات السياسية الجارية اليوم لفرض “المحاصصة الطائفية” أو اشتراط تمثيل قوى ميليشياوية أو سياسية معينة داخل الوفد تحت ذريعة الميثاقية، تمثل خرقا فاضحا لجوهر الدستور، فالوفد المفاوض لا يمتلك سلطة القرار النهائي بل هو فريق عمل تقني، يتولى عملية الصياغة والدراسة ليعود في النهاية إلى السلطة التنفيذية مجتمعة ممثلة بمجلس الوزراء الذي يمتلك وحده كلمة الفصل في رفض أو قبول الإبرام، وبالتالي فإن إقحام “التطييف” في التفاوض ليس إلا محاولة لعرقلة الدولة وشل قدرتها على الحركة في اللحظات المصيرية.
ذريعة الميثاقية
يتذرع المناهضون لخطوات رئيس الجمهورية بالتفاوض، بـ “الميثاقية” ويستخدمونها كأداة سياسية للتعطيل، غير أن المبدأ القانوني الراسخ يجزم بأنه “لا مجال للاجتهاد في معرض النص”، ولا يمكن التذرع بأعراف أو ميثاقيات غير مكتوبة لإسقاط نص دستوري صريح يعلو فوق كل القرارات والأنظمة، وإذا كانت “ميثاقية العام 1943” قائمة على التوافق والتعايش، فإن “اتفاق الطائف” قد حسم الصلاحيات بشكل واضح، ولم يمنح رئيس مجلس النواب أي دور أو صلاحية في عملية التفاوض الخارجية.
المفارقة هنا، وفق الدكتور بشراوي، تكمن في أن المشترع اللبناني لو أراد إدخال مفهوم الميثاقية أو الشراكة الطائفية في مرحلة التفاوض لنص عليها في الطائف، وهو الاتفاق الذي فرض في ظروف تاريخية معقدة كان فيها الطرف المسيحي في حالة وهن لناحية القرارات، الأمر الذي أدى إلى سلب رئاسة الجمهورية معظم صلاحياتها التنفيذية لمصلحة مجلس الوزراء مجتمعا، وأمام هذا الواقع، تصبح صلاحية التفاوض المتبقية واحدة من الهوامش الدستورية اللصيقة بموقع الرئاسة التي بإمكانه ممارسة صلاحية محددة فيها، وبالتالي فإن أي محاولة لمصادرتها اليوم من قبل قوى نيابية أو طائفية لا تستند إلى منطق القانون بل إلى منطق فائض القوة والسلاح الذي يسعى لتهميش الموقع الأول في الدولة وتحويله إلى دور فخري لا أكثر.
تفاوض الضرورة
في المقابل, يرى الدكتور بشراوي أن علينا قراءة المشهد اليوم بواقعية، فرئيس الجمهورية لا يتحرك اليوم انطلاقا من مبادرة ذاتية مستقلة أو من رؤية سيادية استباقية، بل هو يخطو خطوات ألزمته بها الإدارة الأمريكية، فالمنظومة الحاكمة أثبتت عجزها عن تنفيذ الموجبات الأساسية لحفظ سيادة الدولة أو حصر السلاح في يد المؤسسات الشرعية، وهو ما يدفعنا إلى التأكيد على أن الذهاب نحو المفاوضات يمثل رضوخا للأمر الواقع أكثر مما هو خيار استراتيجي داخلي.
التفاوض لإنهاء الحروب
أما الأصوات التي تحاول تصوير التفاوض مع إسرائيل على أنه مستحيل قانونا نظرا لكون التشريعات الداخلية تصنفها كدولة عدوة، فهي تقع في مغالطة قانونية كبرى، فالقانون الدولي العام لا يمنع دولتين في حالة عداء أو نزاع مسلح من التفاوض وإبرام الاتفاقيات، بل إن الغاية الأساسية للمعاهدات الدولية هي إنهاء الحروب وتنظيم ترتيبات وقف إطلاق النار أو ترسيم الحدود، وعدم اعتراف لبنان بإسرائيل كدولة في أدبياته السياسية لا يلغي حقيقة كونها دولة عضوا في الأمم المتحدة، والاعتراف في القانون الدولي هو شأن سياسي مستقل تماما عن إمكانية التواصل والتعاقد.
محطات تاريخية
ان التاريخ اللبناني نفسه مليء بالشواهد وفق الدكتور بشراوي، بدءا من اتفاق الهدنة عام 1949، مرورا باتفاق 17 أيار 1983، وصولا إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية في العام 2022، وكلها تفاهمات جرت مع اسرائيل بآليات مختلفة، فضلا عن النماذج الإقليمية والدولية .وبناء عليه، فإن كل الحجج القانونية التي ترفع اليوم لقطع طريق التفاوض تسقط أمام منطق القانون الدولي والتجارب التاريخية، ليبقى العائق الحقيقي عائقا سياسيا بامتياز، مبعثه الرغبة في إبقاء الساحة اللبنانية ورقة مكشوفة في مهب الصراعات الإقليمية، ضاربة عرض الحائط بالدستور الذي يمثل العقد الوحيد الضامن لبقاء الدولة ومؤسساتها.
العام لا يمنع دولتين في حالة عداء أو نزاع مسلح من التفاوض وإبرام الاتفاقيات، بل إن الغاية الأساسية للمعاهدات الدولية هي إنهاء الحروب وتنظيم ترتيبات وقف إطلاق النار أو ترسيم الحدود، وعدم اعتراف لبنان بإسرائيل كدولة في أدبياته السياسية لا يلغي حقيقة كونها دولة عضوا في الأمم المتحدة، والاعتراف في القانون الدولي هو شأن سياسي مستقل تماما عن إمكانية التواصل والتعاقد.
محطات تاريخية
ان التاريخ اللبناني نفسه مليء بالشواهد وفق الدكتور بشراوي، بدءا من اتفاق الهدنة عام 1949، مرورا باتفاق 17 أيار 1983، وصولا إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية في العام 2022، وكلها تفاهمات جرت مع اسرائيل بآليات مختلفة، فضلا عن النماذج الإقليمية والدولية .وبناء عليه، فإن كل الحجج القانونية التي ترفع اليوم لقطع طريق التفاوض تسقط أمام منطق القانون الدولي والتجارب التاريخية، ليبقى العائق الحقيقي عائقا سياسيا بامتياز، مبعثه الرغبة في إبقاء الساحة اللبنانية ورقة مكشوفة في مهب الصراعات الإقليمية، ضاربة عرض الحائط بالدستور الذي يمثل العقد الوحيد الضامن لبقاء الدولة ومؤسساتها.