الأربعاء 7 صفر 1448 ﻫ - 22 يوليو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

بري في مواجهة سقوط المعادلات.. هل فقدت عين التينة دورها؟

بينما لا تزال رائحة البارود تنتشر في أرجاء جغرافيا الجنوب اللبناني، وتكاد تصل إلى مقر عين التينة، في وقت رُفع فيه العلم الإسرائيلي على قلعة الشقيف، التي باتت اليوم شاهداً على تهاوي مقولة “معادلة الردع” التي طالما تغنّى بها “محور المقاومة”، والتي حوّلت جنوب لبنان والضاحية الجنوبية إلى “خان يونس”… خرج رئيس مجلس النواب اللبناني عن الصمت الذي اعتصم به منذ إعلان اتفاق الهدنة، بعد تصريحين يتيمين؛ أولهما دعا فيه أهل الجنوب، الذين يمثلون مع الجنوب “قرة عينه”، إلى التريث في العودة، وأتبعه بتصريح آخر أعلن فيه رفضه للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

البارحة عاد الرئيس بري إلى الواجهة ليطل عبر شاشة تلفزيون “NBN”، معيداً تشغيل محركاته التي طالما اشتهرت بفتح المسارات المقفلة. ويبدو، من خلال مقاربته للمشهد التدميري الذي يلف الجنوب، أنه تيقّن بأنه أمام مشهد لا يشبه أي مشهد عرفه في تاريخه الطويل، حيث كانت مطرقته تحسم مسار أي ملف تفاوضي، وأبرزها ملف “حقل كاريش” الذي وضع إطاره ومساره ونهايته.

اليوم، استشعر الرئيس بري أن الجنوب تغيرت معالمه، واقتُلعت العائلات من جذورها التي عمل لسنوات على تثبيتها في أرض جبل عامل. ولذا فهو يحاول إنقاذ ما تبقى، محيياً دوره كحارس لهذه البقعة التي باتت على طريق الاندثار مع كل غارة ينفذها الطيران الإسرائيلي.

عين التينة والدور الضائع

في قراءة لتصريحات الرئيس بري البارحة، يرى أحد المتابعين لمسيرة “أبو مصطفى” على مدى عقود، في حديث لموقع “صوت بيروت إنترناشونال”، أن الرجل اليوم لا يواجه أزمة سياسية عابرة، بل يواجه “أزمة هوية وظيفية”. كان بري، بذكائه الفطري، ينجح دائماً في اللعب على حافة التناقضات الدولية ليخرج بصفقة تكرّس دور “الوسيط الذي لا غنى عنه”. لكن اليوم تبدو “عين التينة”، التي كانت تُعتبر الممر لكل من يبحث عن حل، وكأنها فقدت دورها. فالعقوبات طالت أبرز المقربين من دولته، والموفدون لم يعودوا يطرقون أبواب هذه الدار بحثاً عن مخارج وحلول، فالميدان اليوم هو من يفرض نفسه، وآثاره تتقدم على الحلول الدبلوماسية وتفرض واقعها.

ضمانات على وقع التدمير

يحاول الرئيس بري اليوم، من خلال تصريحه للقناة التي أسسها، وفق محدثي، توجيه صرخة بدت وكأنها محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بقوله: “إنني أضمن التزاماً كاملاً وشاملاً وفورياً لوقف إطلاق النار من قبل المقاومة الإسلامية في لبنان، والإشكالية الأساسية لا تكمن في موقف المقاومة، بل في استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان بشتى الوسائل براً وبحراً وجواً، إلى جانب عمليات تدمير القرى والمنازل واستهداف المناطق اللبنانية”.

تاريخ لن يتكرر

يتابع محدثي كلامه بالتذكير بالاتفاق الذي رعاه الرئيس بري وصاغ بنوده مع المبعوث الأميركي توم باراك. هذا الاتفاق انهار مع الصواريخ الستة التي قيل إنها فاجأت الرئيس بري، الذي يحاول اليوم إعادة إحياء تلك “الضمانات” التي اتفق عليها مع الوسيط الأميركي، والتي عجز عن حمايتها.

رهانات فقدت صلاحيتها

إن موقف الرئيس بري، الذي ينحصر بطلب وقف إطلاق النار، يُظهر أنه بات مجبراً على التحرك بعدما حوصر الجنوب بركام القرى. فهو يقف اليوم أمام مفترق طرق وجودي لبيئة باتت مشرّدة؛ إما أن يستمر بالتماهي مع “الثنائية” التي طبعت مساره، والتي ظهرت كلفتها الباهظة على الجنوب والضاحية والبقاع، أو أن يختار رفع الغطاء عن سلاح “حزب الله”، الذي صنفته الحكومة التي تضم وزراءه تنظيماً خارجاً عن الشرعية، لإنقاذ ما تبقى.

وهنا يُطرح السؤال: هل إن مبادرة الرئيس بري البارحة جاءت نتيجة تلاقٍ مع الحزب، أم إنها موقف أحادي؟

وبغض النظر عن حقيقة الموقف الذي أعلنه ومدى تنسيقه مع توأمه في الثنائية، فهو سيصطدم بجدار متصلب من إسرائيل والولايات المتحدة، ولا يمكن أن يُصرف اليوم بعد التطورات الميدانية، لأن “تل أبيب” لم تعد تبحث عن “تعهدات” لا تتلاءم مع السقف الإسرائيلي الذي فرض نفسه على الجغرافيا اللبنانية بعد تطويقه لقرى الجنوب وجعلها أرضاً قاحلة. ولا عودة إلى الوراء عبر تثبيت وقف إطلاق النار، لأن الأولوية والشرط الأساسي باتا يتمثلان في نزع سلاح “حزب الله”.

ويختم محدثي كلامه بالتأكيد أن مبادرة الرئيس بري فقدت فعاليتها، لا سيما أن المفاوضات بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي تُخاض برعاية واشنطن وبإصرار من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. كما أن بند وقف إطلاق النار حمله الوفد اللبناني منذ بداية هذه المحادثات، إلى جانب بنود أخرى تطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية وتبادل الأسرى.

وهذا ما يقودنا إلى أن صرخة “أبو مصطفى” هي في “البرية”. فبعد أن كان محور المحاورين والموفدين، يرى نفسه اليوم ينتظر القطار ليلحق بمن استقله، أمام متغيرات تتجاوز لبنان وجنوبه لتطال المنطقة بأكملها.