
جبران باسيل
شهد المشهد السياسي اللبناني تحولاَ لافتاَ في مسار جبران باسيل فبعد زمنٍ كان فيه يصعد قمم المشهد السياسي، مستندًا إلى “وحدانيته” المسيحية ومُمليًا شروطه، بات اليوم مضطرًا للنزول إلى ساحات البلديات ليُناور. هذه المفارقة تبرز بوضوح، فمن كان يجعل الآخرين يتوسّلون رضاه للتحالف، بات يصوغ تحالفات مع خصوم الأمس. إنها خطوة تكشف عن تحول عميق في مساره السياسي، حيث يُرى الآن محتفلاً بـ”انتصار” لم يصنعه وحده، بل بقوة أصحاب الفضل الذين أوصلوه إلى قمة هذه الجولة الانتخابية..
في زمن الانكسارات والهزائم التي طالت قوى سياسية استباحت المشهد اللبناني لعقدٍ من الزمن، بدأت الاستحقاقات الانتخابية تلقي بظلالها، كاشفةً عن الحجم الحقيقي لهذه القوى. وها هو ذا الاستحقاق الأول، بعد تبدل موازين القوى السياسية، يُعيد رسم خريطة النفوذ، ويُجبر اللاعبين على إعادة التموضع.
لطالما كانت جزين، ضمن الدائرة الانتخابية الجنوبية الأولى، تُعدّ معقلًا شعبيًا بارزًا “للتيار الوطني الحر”، وركيزة أساسية في ترسيخ صورة باسيل كـ”ممثل مسيحي وازن”. لذلك، لم يكن فوز إبراهيم عازار في الانتخابات النيابية عام 2018 على مرشح التيار آنذاك أمل أبو زيد مجرد خسارة مقعد. بل شكل يومها فوز عازار ونائبي القوات سعيد الأسمر وغادة أيوب ضربة قاصمة لطموحات باسيل في توسيع كتلته النيابية، وعكست تحديًا كبيرًا لشعبية التيار في واحدة من أهم قلاعه المسيحية. هذه الهزيمة لم تكن حدثًا عابرًا، بل مهّدت الطريق لما يُمكن وصفه بـ”تراجع” أو “انحدار” في قوة باسيل وتياره، ليصبح هذا التراجع أكثر وضوحًا بعد حملة الإقالات والتهميش التي طالت العديد ممن كانوا يُعتبرون من “صقور” التيار المقربين.
كان باسيل والتيار يطعنان في التحالفات التي خاضها عازار في الانتخابات النيابية الأخيرة، خصوصًا دعم “حركة أمل” برئاسة نبيه بري. ففي إحدى التصريحات المتداولة حينها، قيل على لسان باسيل أو مقرّبيه: “لما قتلوا حالهم ليتحالفوا هن وإبراهيم عازار كانوا سياديين، بس إذا التيار الوطني الحر تحالف ببطل سيادة”. هذا التصريح يربط تحالف عازار مباشرة بالنقاش حول “السيادة” من منظور باسيل، ويلمّح إلى ازدواجية المعايير.
اليوم، يُعيد جبران باسيل ترتيب أوراقه السياسية وقراءة المشهد التحالفي من جديد، بعد أن أجبرته الخسائر الموجعة على ذلك. هذه الخسائر لم تكن عادية، بل مُني بها في الأقضية التي لطالما شكّلت الميزان الأساسي لقوته، خاصة في الاستحقاقات البلدية التي خيّبت ظنه وكسرت هيمنته. إنها هزائم تُعلن، بوضوح، نهاية مرحلة كانت قوته فيها كاسحة، وادّعاؤه بكونه “الممثل المسيحي الأوحد” وصاحب أكبر كتلة نيابية يترسخ.
يبدو أن هذه النتائج غير المتوقعة، إضافةً إلى كونه معاقبًا دوليًا، وفقدانه العديد من كوادره الذين عارضوا نهجه، قد دفعت باسيل إلى خيارات صعبة. ففي ظل تعذر ايجاد حلول أخرى يفسر البعض تحالفه مع ابراهيم عازار في هذه المرحلة لأنه خيار اضطراري لا بديل عنه ، هذا التكتيك الذي يبدو مفاجئأَ، يعكس حجم التحديات التي يواجهها التيار، لا سيما بعد فوز آلان عون عليه في الانتخابات البلدية في بلدة الرئيس السابق ميشال عون التي تحمل رمزية خاصة، مما يزيد من الضغوط لإعادة تموضعه بعد اهتزاز قاعدته التقليدية.
.
رغم فوز تيار باسيل في جزين، فإن مؤشرات نتائج الانتخابات في الجنوب اللبناني تُلقي بظلالها الثقيلة على هذا الانتصار. فوز حزب “القوات اللبنانية” في العديد من قرى القضاء، وتمكنها من محاصرة البلدات التي فاز بها التيار بتحالفاتها غير التقليدية، يضع جبران باسيل أمام حتمية إعادة تقييم شاملة لوضعه. هذا الوضع يُجبر باسيل على إعادة التموضع لتحقيق مكاسب خسرها في الانتخابات السابقة، في مناطق كانت تُعد قلاعه، مما يدفعه للبحث عن شراكات جديدة وإن كانت تبدو غير متوقعة. يأتي هذا في وقت كان فيه باسيل وتياره يفرضون الشروط على الساحة السياسية، مدّعين تمثيلهم الأوحد للمسيحيين، بينما كان حليفه وشريكه في صياغة وثيقة “مارمخايل” (حزب الله) هو “الحكم” الذي يملك مفتاح الحلول للعلاقات الشائكة، لا سيما مع رئيس مجلس النواب نبيه بري. هذا الأمر حقق له مكاسب عديدة في الوزارات، لاسيما الطاقة التي انحصرت بتياره على مدى أكثر من 10 سنوات، وهو فقدها اليوم للمرة الأولى.
السؤال الذي يطرح اليوم هل بات باسيل اليوم مضطرا للتحالف مع خصمه التاريخي ، الرئيس نبيه بري وهل سيتنازل عن شروط كان يفرضها سابقاً ، ليمهد الطريق لتفاهمات جديدة مع حركة امل التي خاض معها صراعات مريرة؟ هذه التساؤلات تطرح بقوة في ظل واقع يفرض على باسيل تخفيف الخسائر التي قد تكون في انتظاره في الانتخابات النيابية المقبلة ، خاصة وان ديناميكية القوى تغيرت بسرعة في الجنوب اللبناني بشكل خاص .