
عناصر حزب الله يرفعون أعلام الحزب على مراكب قبالة صخرة الروشة (رويترز)
عام مرّ على ليلة هزّت الشرق الأوسط بأكمله. لم يكن مجرد انفجار في حارة حريك، بل كان زلزالاً سياسيًا ضرب قلب بيروت في 27 سبتمبر. في تلك اللحظة، اختفى صوتٌ صدح لثلاثة عقود، وتلاشت معه قيادة تاريخية لحزب الله. الضربة الإسرائيلية لم تستهدف مجرد مبنى، بل استهدفت عمق مجمع سري تحت الأرض، وكان هدفها واضحًا: القضاء على حسن نصر الله، زعيم الحزب، ومعه نخبة من كبار القادة، أبرزهم علي كركي وعباس نيلفوروشان من فيلق القدس الإيراني.
لم تكن هذه العملية صدفة، بل كانت تتويجًا لحرب شاملة شنتها إسرائيل على لبنان بعد هجوم السابع من أكتوبر. لقد تحولت إسرائيل من سياسة الردع المتبادل إلى استراتيجية “الاستنزاف”، بهدف إضعاف الحزب وتفكيك بنيته التحتية وقياداته. وقد بدأ هذا الاستهداف الممنهج منذ اتفاق وقف إطلاق النار، حيث استمرت إسرائيل في ضرب شخصيات قيادية مؤثرة. فبعد اغتيال فؤاد شكر في 30 يوليو، وإبراهيم عقيل في 20 سبتمبر، شهدت عملية 27 سبتمبر اغتيال نصر الله نفسه، مما يشير إلى منهجية واضحة في تصفية القيادات. كما ألحق هجوم جهاز النداء في 17 سبتمبر ضرراً بالغاً بالمنظومة التنظيمية لحزب الله وقدرته على العمل.
اغتيال نصر الله كان الضربة الأقوى، بمثابة “قطع رأس” التنظيم. لقد ترك فراغًا قياديًا هائلاً، حيث كان نصر الله يقرر كل شيء بنفسه، من العمليات العسكرية إلى الخطاب السياسي. هذا الفراغ يفتح الباب أمام صراعات داخلية محتملة.
إيران بعد نصر الله: بين التمسك والتراجع
بعد عام على هذه الصدمة، تبرز تساؤلات حقيقية حول مستقبل الحزب. إيران، التي كانت تعتبر نصر الله “كنزًا استراتيجيًا لا يُقدّر بثمن”، تواجه تحديًا وجوديًا. ورغم استثمارها في ساحات أخرى، يبقى لبنان بالنسبة لها حصنًا منيعًا على حدود إسرائيل. لكن هل ستستمر في دعمها بنفس القوة؟
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة مع تزايد الضغط الإسرائيلي. الهجمات المتواصلة على المعابر الحدودية بين سوريا ولبنان، والتحذير من هبوط طائرات إيرانية في مطار بيروت، دفعا الحكومة اللبنانية إلى منع الطائرات الإيرانية من الهبوط بشكل شبه رسمي، في إشارة واضحة للضغوط الإقليمية. وتستمر إسرائيل في استهداف القيادات العسكرية للحزب منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك حتى بعد تقديم الجيش اللبناني خطته لسحب سلاح حزب الله من الجنوب، مما يضعف قدرة التنظيم على التعافي ويعزز حالة عدم الاستقرار.
من المرجح أن الإيرانيين يدركون أن أي رد مباشر على إسرائيل سيكلفهم ثمنًا باهظًا، كما حدث في أبريل الماضي بعد اغتيال محمد رضا زاهدي (حسن مهداوي) في دمشق. معادلة “التكلفة مقابل العائد” أصبحت حاسمة. اليوم، يتضاءل نفوذهم وقدرتهم على تشكيل تهديد استراتيجي لإسرائيل، مما يجعلهم أقل استعدادًا للمخاطرة بما تبقى لديهم. لكن رسالة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في ذكرى اغتيال نصر الله كانت واضحة. خطابه أكد أن دعم إيران للحزب “ثابت واستراتيجي”، وهي رسالة مزدوجة: للأعداء بأن التراجع ليس خيارًا، وللحلفاء بأن المشروع الإيراني في لبنان باقٍ، حتى لو تغيرت القيادات.
نصر الله: القائد الذي لا يُعوّض
شخصية نصر الله الفريدة على مدى 32 عامًا ستجعل من المستحيل ملء فراغه. تولى القيادة فجأة عام 1992 بعد اغتيال سلفه عباس الموسوي، وسرعان ما رسّخ مكانته كقائد لا يُنازع. كان مهووسًا بصورته الإعلامية وحريصًا على أن يكون مركز القرار الأوحد.
أبرز ما يميز شخصيته القيادية هو أنه لم يُهيّئ وريثًا له، خوفًا من ظهور منافسين، وهو ما خلق فراغًا هائلاً بعد وفاته. حتى بعد اغتيال القائد العسكري عماد مغنية عام 2008، تولى نصر الله بنفسه مسؤولية مجلس الجهاد والعمليات العسكرية. كان يحدد كل شيء بنفسه، من التوجيهات العامة إلى أدق التفاصيل في العمليات. رغم التزامه بالخط الإيراني، رسّخ نصر الله نفسه كصوت مستقل في السنوات الأخيرة، وأصبح أكثر حذرًا وأقل ميلًا للمخاطرة. لكن يبدو أنه لم يدرك أن كل هذا لم يكن كافيًا لتفادي مصيره.
حزب الله ما بعد نصر الله: على مفترق طرق
الأضرار الكبيرة التي لحقت بترسانة صواريخ الحزب، واستمرار تصفية قادته، هي حقائق تُلقي بظلالها على مستقبل التنظيم. لكن الحزب يمتلك قوة كبيرة: 50 ألف عنصر نظامي، و50 ألف احتياطي، وقاعدة شيعية موالية. هؤلاء لن يختفوا. القيادة الجديدة ستحاول إثبات أن الحزب لا يزال الأقوى في لبنان