الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

اتفاق محرج لـ"الثنائي".. هل تعيد لاءات طهران ورفض قاسم فتح نار جهنم على الضاحية!؟

لم يكن التعهد الأخير الذي قطعه رئيس مجلس النواب نبيه بري بالسير في مسار التسوية مجرد خطوة سياسية عادية، بل جاء نتاج لحظة حرجة كادت تعيد الضاحية الجنوبية، العاصمة الإدارية لـ”حزب الله”، إلى دائرة النار، إن لم نقل إلى الجحيم، مع التهديد الإسرائيلي المشترك الذي أطلقه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس بتدميرها بالكامل.

وعلى وقع هذا التهديد، أدار الرئيس الأميركي دونالد ترامب “محركات” مواقفه للجم هذا التصعيد، حيث أعلن، عبر منصته “تروث سوشال”، نجاحه في منع ضربة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، مؤكداً أنه أجرى اتصالاً بممثلين عن “حزب الله” لوقف استهداف المدن الإسرائيلية، كما أجرى اتصالاً ببنيامين نتنياهو وصفه بالمثمر، أفضى إلى إعادة القوات الإسرائيلية التي كانت متجهة نحو بيروت. بعدها، انتقل إلى الساحة التفاوضية التي كانت لا تزال منعقدة في واشنطن، متسلحاً بتعهد الرئيس بري.

مأزق “حزب الله” الوجودي

خرج بيان المتفاوضين خلال ساعات متسلحاً بعدة بنود لم تكن جديدة في بعض جوانبها، ولا سيما ما يرتبط بنزع سلاح “حزب الله”. أما البنود الأخرى، فقد فرضت نفسها نتيجة الطوق الذي أُحكم على الحزب ميدانياً واجتماعياً، والذي فرضه الجيش الإسرائيلي على الأرض وصولاً إلى قمة قلعة الشقيف.

في هذا البيان، حُسمت رؤية الولايات المتحدة وإسرائيل وأهدافهما، إذ لم تعد المسألة تقتصر على نزع سلاح “حزب الله” جنوب الليطاني وشماله، بل امتدت إلى كامل الأراضي اللبنانية. ولم يعد ذلك مجرد هدف سياسي، بل تحول إلى بند واجب التنفيذ فوراً، كما ورد في نص البيان الذي أكد أن “الأمن المستدام لا يتحقق إلا بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية في جميع أنحاء لبنان بلا استثناء”.

وكان بارزاً إقرار ما سُمي بـ”الاختبار”، حيث فرض الجانب الإسرائيلي صيغة “المناطق التجريبية” كأداة لاختبار النيات ميدانياً، بحيث تبدأ السيطرة الحصرية للجيش اللبناني من بقع جغرافية محددة، للتأكد من خلوها تماماً من أي مظاهر مسلحة، كشرط لأي خطوة انسحاب لاحقة.

في المقابل، وضع الوفد اللبناني المفاوض شروطه البديهية، التي ترتكز على إلزام إسرائيل بالاحترام الكامل والمتبادل للحدود المعترف بها دولياً، ووقف الخروقات الجوية والبرية. كما أعلن موافقته رسمياً على السيطرة الحصرية التامة للجيش اللبناني في المناطق التجريبية، مع تبني بند استبعاد وتفكيك أي جهة مسلحة غير تابعة للدولة.

وكان لافتاً تشديد البيان، من الجانب اللبناني، على رفض أي محاولة من أي دولة إقليمية أو جهة غير حكومية لاحتجاز القرار اللبناني أو فرض وصاية عليه.

وقبل أن يجف حبر التوقيع في واشنطن، وبينما كانت الآلة العسكرية الإسرائيلية تكثف غاراتها واستهدافاتها للجنوب اللبناني، كان “حزب الله” يرد بإطلاق المسيّرات والصواريخ.

في تلك الأثناء، خرج قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني لينسف عملياً بند تأكيد الدولة اللبنانية، عبر وفدها المفاوض، رفض أي تدخل من أي دولة إقليمية، معلناً رفضه القاطع لاتفاق وقف إطلاق النار المطروح بين لبنان وإسرائيل. بل ذهب أبعد من ذلك، واضعاً شروطاً خاصة به، عبر مطالبة إسرائيل بالانسحاب إلى خطوط ما قبل حرب الأربعين يوماً.

وهي لهجة دفعت كثيرين إلى التعليق بأن الرجل يتحدث وكأنه عضو في الوفد اللبناني المفاوض في واشنطن، متجاوزاً بوضوح حدود الضغوط التي يرزح تحتها “حزب الله” وبيئته، والتي دفعت أثماناً باهظة خلال الحرب.

وقبل أن تظهر مفاعيل تصريحات قاآني على الساحة الدولية، خرج الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، في خطاب متلفز، ليلاقي قاآني في شروطه، راسماً بالخط العريض حدود ما يمكن قبوله وما يندرج في خانة المستحيل.

وأكد رفض ما وصفه بـ”الإذعان”، مفرقاً بين الرغبة في وقف الحرب وبين القبول بشروط تمس الكرامة والسيادة. واعتبر أن اتفاق وقف إطلاق النار بصيغته المطروحة يشكل، بحسب تعبيره، “خريطة طريق لإبادة قسم من الشعب اللبناني واستعباد الباقي”، وأن “نتائج المفاوضات المباشرة عبثية ومذلة ومرفوضة من شرائح واسعة من الشعب”.

كما انتقد البنود الواردة في الاتفاق، رغم عدم تضمّن النص أي إشارة مباشرة إلى الحزب، قائلاً إن “نزع السلاح في هذه اللحظة ليس بنداً تفاوضياً، بل انكشاف وجودي كامل”، مضيفاً أن “نزع سلاح حزب الله المطروح كبند رئيسي ما هو إلا تمهيد للاستفراد بالبلد وإبادته، وأن المقاومة ستواصل عملها ما دامت إسرائيل تحتل أراضي من لبنان”.

يمكن الوصول من خلال هذه المواقف إلى خلاصة مفادها أن الحزب يعيش مأزقاً وجودياً، كما أن الدولة اللبنانية تواجه تحدياً كبيراً بعد التزامها ببنود صاغها الوفد اللبناني المفاوض.

فالمعضلة الحقيقية ستظهر عند مرحلة التنفيذ على الأرض، في ظل رفض “حزب الله” وراعيته طهران لما تم الاتفاق عليه. وبذلك، قد يكون لبنان أمام استراحة قصيرة، رغم استمرار الغارات والاستهدافات، قبل أن تعود الانفجارات لتدوي، ليس فقط في الجنوب، بل أيضاً في الضاحية ومناطق البقاع، إذا استمرت البلاد في دفع ثمن بقائها ساحة مفتوحة للصراع الإيراني – الأميركي.