الثلاثاء 7 صفر 1448 ﻫ - 21 يوليو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

ثلاثية "جيش، شعب، مقاومة"… هل طويت صفحتها في البنتاغون؟

لم يكن انعقاد المحادثات العسكرية اللبنانية-الإسرائيلية في البنتاغون حدثاً دبلوماسياً عابراً، بل جاء نتيجة لسقوط ثلاثية “جيش، شعب، مقاومة” التي حكمت المشهد اللبناني لعقود. هذه الثلاثية سجلت أول سقوط لها مع غيابها عن نص البيان الوزاري لحكومة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، كما خرجت من الواقع الميداني مع إدراج خطة الجيش اللبناني لنزع سلاح الحزب على طاولة الحكومة، واعتباره لاحقاً منظمة خارجة عن القانون. أما “الشعب”، فبات نازحاً بعد إفراغ قراه بناءً على إنذارات الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، في وقت تعاني فيه بيئة الحزب من غياب القيادات الفاعلة التي لم تعد تملك القدرة على احتواء هذه البيئة التي استنزفها الدمار والنزوح. وفيما يخص “المقاومة”، فقد شهدت بنيتها الهيكلية تضعضعاً غير مسبوق عقب اغتيال أمين عام الحزب حسن نصر الله، رأس الهرم القيادي، وسلسلة من القيادات العسكرية والميدانية، فضلاً عن ضرب مخازنها الاستراتيجية وسقوط معاقلها و”محاريبها” الحصينة تحت ضربات نارية لم تعهدها من قبل.

الواقع الميداني

أما على صعيد ميدان الجنوب، فهو يشهد تغيرات جذرية في السيطرة الإسرائيلية التي اعتمدت تكتيكات جديدة، تمثلت بتقطيع قرى الحافة الأمامية إلى قطاعات… أوسط، وشرقي، وغربي، متبعة منهج التدمير لهذه القرى مزنرة إياها بحزام “أصفر” لا يمكن تجاوزه، مما مكنها من تهجير ما يفوق 70% من سكان جنوب الليطاني وشماله، بدلاً من أسلوب الانتشار العسكري الشامل الذي طبع الاجتياحات السابقة. وفي هذا السياق، جاءت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الحدود الشمالية ليعلن من هناك عن معادلة ميدانية جديدة تعكس رؤية تل أبيب لمجريات المعركة ويطلق منها ما يشبه “خطاب الانتصار”، حيث أعلن رسمياً أن القوات الإسرائيلية عبرت نهر الليطاني وسيطرت على تلال ومناطق استراتيجية مشرفة داخل الأراضي اللبنانية، متجاوزة الخطوط الحمراء التاريخية في الجنوب، موضحاً أن العمليات لم تعد محصورة في النطاق الحدودي، بل شملت ضربات في بيروت والبقاع وعلى طول الجبهة لقطع خطوط الإمداد، وذلك لتحقيق مكاسب مزدوجة.

تفاوض مباشر

وفي هذا الوقت، استضاف البنتاغون اجتماعاً للوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي، حيث أوضح البيان الصادر عن الوزارة أن اللقاء كان برعاية وكيل وزارة الحرب للسياسات، إلبريدج كولبي. وقد حضر عن الجانب اللبناني وفد ترأسه مدير العمليات في الجيش العميد جورج رزق الله، في حين ترأس الوفد الإسرائيلي أميخاي ليفين، رئيس الشعبة الاستراتيجية في مديرية التخطيط التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي. أما من الجانب الأميركي، فقد افتتح الاجتماع وكيل الوزارة كولبي، بينما تولى نائب مساعد وزير الدفاع مايك دي مينو مهمة الوساطة المباشرة بين الوفدين، كما حضر الاجتماع مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون الأمن الدولي دانيال زيمرمان.
ووفق البيان الختامي الذي أصدره البنتاغون عقب هذه المحادثات المباشرة، فقد ركز الاجتماع على وضع أطر عملية لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين، حيث تم التوصل إلى نتائج ملموسة ستسهم بشكل مباشر في دعم المسار السياسي الذي تقوده وزارة الخارجية الأميركية. وقد أكدت وزارة الحرب الأميركية دعمها لسيادة لبنان ووحدة أراضيه بعيداً عن أي جهات مسلحة غير حكومية، معتبرة هذه الخطوات عناصر أساسية لتحقيق رؤية الرئيس دونالد ترامب لإرساء سلام دائم في الشرق الأوسط، وسط التزام الطرفين بالاستمرار في هذه الجهود التاريخية وعقد اجتماع جديد قريباً لمواصلة المسار الأمني.

سقوط “الثلاثية”

هذه النتائج حملت أبعاداً استراتيجية تتجاوز مجرد التفاوض التقني، إذ يمثل ذلك إقصاءً مباشراً ل”حزب الله” من المعادلة، من خلال التأكيد صراحة على دعم سيادة لبنان ووحدة أراضيه “بعيداً عن أي جهات مسلحة غير حكومية”. هذا التحول يضع المؤسسة العسكرية اللبنانية في شراكة مباشرة مع الرؤية الأميركية والإسرائيلية للأمن، مما يفرض على الحزب واقعاً جديداً يجد فيه سلاحه عائقاً أمام “رؤية الرئيس دونالد ترامب لإرساء سلام دائم في الشرق الأوسط”. وبذلك، لم يعد الحزب طرفاً، بل أصبح في نظر هذا المسار عنصراً يهدد الاستقرار الإقليمي.
رغم الإيجابية التي أشاعها البيان، إلا أن التحدي يكمن على أرض الواقع في كيفية ترجمته، فهو سيصطدم بمواقف الحزب التي تصر على تمسكه بترسانته الحربية، وهو ما كرره أمينه العام الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير الذي أكد فيه “أن الحزب لا يقبل بأي إملاءات سياسية أو أمنية تفرض من الخارج، مؤكداً أن المقاومة ستظل هي الضمانة الوحيدة للسيادة، وأن أي محاولة لنزع السلاح أو تقييده هي مشاريع فاشلة ومرفوضة”.

لاءات “حزب الله”

وفي موقف تصعيد لافت، تزامن مع المحادثات الجارية في واشنطن، أدلى النائب عن الحزب حسن فضل الله بموقف حاد أكد فيه… “من يريد أن يكون أنطوان لحد سنقاتله كما قاتلنا الإسرائيلي”، رافضاً أي ترتيبات تشبه اتفاق 17 أيار، ومتسائلاً عن جدوى الذهاب المنفرد إلى واشنطن، ومذكراً السلطة بقوله… “نحن تفردنا بخيار المقاومة ولم نطلب من السلطة سوى عدم طعننا”. أما محمود قماطي نائب رئيس المجلس السياسي للحزب، فقد ذهب إلى سقف أعلى باعتباره “أن سلاح المقاومة يظل خطاً أحمر غير قابل للمساومة”.
هذه التحديات المتمثلة بلااءات حادة من قبل “حزب الله”… ما زالت تترجم على الأرض بالمسيرات والصواريخ التي تطلق من الجنوب والبقاع، ستضع الجيش اللبناني أمام تحد يتمثل بترجمة عملية للبيان الذي خرج من البنتاغون مع هذا الرفض لهذه المفاوضات وما آلت إليه. وهذا ما يدفعنا إلى القول إن السلطات اللبنانية باتت محاصرة بين مسارين لا يمكن أن يلتقيا… وهنا يطرح السؤال: إن سقطت “الثلاثية” فعلياً وكيف سيترجم مضمون البيان على أرض الواقع، قبل انتقال هذا الملف إلى أروقة وزارة الخارجية في الأسبوع المقبل؟