الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

بين زخم مارالاغو وارتباك بيروت.. المنطقة أمام إعادة رسم الهوية والمصير

جاء اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منتجع مارالاغو في 29 من ديسمبر 2025، ليضع ملامح واقع إقليمي جديد. ترامب وصف نتنياهو بأنه بطل حرب، وأعلن منح تل أبيب غطاءً كاملاً للتعامل مع الملفين النووي والباليستي الإيراني، معزّزًا هذا التوجه بصفقات تسليح شملت مقاتلات إف-15 وصواريخ خارقة للملاجئ، في إشارة واضحة إلى التنسيق المشترك حيال أزمات المنطقة.

وخلال المؤتمر الصحفي في مارالاغو، وجه الرئيس ترامب انتقادًا لاذعًا للحكومة اللبنانية، واصفًا إياها بأنها في وضع متراجع وضعيف أمام نفوذ “حزب الله”. وأكد ترامب أن الحزب يتصرف بشكل سيئ للغاية ولا يلتزم بالاتفاقات، محذّرًا من أنه إذا فشلت جهود الدولة اللبنانية في نزع السلاح، فإن الولايات المتحدة لن تمنع إسرائيل من توجيه ضربات عسكرية جديدة، حيث قال بوضوح: “سنرى ما سيحدث.. وإذا لم ينجحوا سنرى ما إذا كانت إسرائيل ستضرب مجددًا”.

هذا الحسم في فلوريدا وضع كافة المواقف والتحركات التي شهدتها الساحة اللبنانية قبيل القمة في إطار المواجهة الوجودية، فالمواقف الأخيرة لأمين عام “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم رسمت سقفًا سياسيًا وميدانيًا يرفض تقديم تنازلات استباقية، مما كشف عن خطة تموضع محددة لمواجهة الضغوط القادمة. وفي المقابل، سلطت تقارير صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية الضوء على التوافق الأمريكي-الإسرائيلي حول ملف لبنان، حيث تعتبر إسرائيل أن الجيش اللبناني يبطئ وتيرة عمله ولم ينجز مهمة نزع السلاح بعد، ملوحة بضربة عسكرية إضافية لـ “حزب الله” في حال فشل المسار اللبناني الرسمي، مع استمرار إسرائيل في سياسة السيطرة الميدانية والضربات الموضعية. وفي المقابل، يبرز غياب موازٍ في أروقة الدولة اللبنانية حيال الخطوات التالية بعد انتهاء المهلة الزمنية لترتيبات الملف الأمني وسلاح “حزب الله” في أواخر الشهر الجاري، مما يجعل الرهان على نتائج القمة أمرًا واقعًا في ظل غياب الخطوات التنفيذية الرسمية.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال استقباله الوفود الأمنية في قصر بعبدا، حيث اعتبر أن المؤسسات العسكرية والأمنية هي خط الدفاع الأول عن البلاد، مشددًا على ضرورة التنسيق بينها لتثبيت الاستقرار. وأعرب عن تطلعه لترسيخ دولة القانون واندمال جرح الجنوب عبر تحرير الأسرى وكامل الأراضي اللبنانية في العام المقبل. هذا الموقف يتقاطع ميدانيًا مع الدور الذي يقوده قائد الجيش العماد رودولف هيكل، الذي اعتبر المؤسسة العسكرية الضمانة لمنع انزلاق البلاد نحو مواجهات مفتوحة، والجهة المسؤولة عن حماية السيادة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.

وعلى المستوى الدبلوماسي، تحركت القاهرة عبر سفيرها في لبنان علاء موسى الذي أكد من بعبدا على ضرورة الالتزام الكامل باتفاق 27 نوفمبر وتطبيق القرار 1701. الدبلوماسية المصرية تركز على بسط سيادة الجيش اللبناني حصريًا في منطقة جنوب الليطاني كأولوية للأمن القومي والإقليمي، سعيًا لمنع تغيير الخرائط في المشرق العربي، وهي رسالة تدعو القوى الداخلية، وبالأخص “حزب الله”، لالتقاط فرصة الحل الدبلوماسي قبل أن تفرض النتائج الميدانية والسياسية لقمة فلوريدا واقعًا جديدًا.

في المحصلة، يثبت المشهد الراهن أن لبنان أمام استحقاق داهم يتجاوز السجالات الإعلامية… فإما أن تستعيد الدولة دورها عبر وضع مسودة عمل واقعية لما بعد المهل الجارية والتعامل بجدية مع المبادرة المصرية، وإما أن تظل مجرد صدى لقرارات تُتخذ وراء البحار بعيدًا عن موازين القوى التي تُبنى على الأرض استباقًا لعصر ترامب الجديد وتداعياته المباشرة على هوية الدولة ومصيرها.