الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

تخبط المفاوضات وتأكيد النفوذ الإقليمي.. أجندة عراقجي السرية إلى لبنان

شهدت مواقف طهران في الفترة الأخيرة حالة من ارتباك سياسي ومد وجزر في توجهاتها. فالجمهورية الإسلامية تسعى للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، رغم إدراكها أن هذه العودة باتت أكثر تعقيداً وسترتب أثماناً باهظة، وأن مسار التفاوض لم يعد كما كان في السابق. هذا المسعى يأتي في سياق محاولة لكسب الوقت، وسط الحديث عن إعادة تنشيط برنامجها النووي في مجال التخصيب. ويمكن تفسير هذا التوتر من خلال التحولات التي طرأت على الدول التي امتد إليها النفوذ الإيراني، سواء في الشرق الأوسط والخليج أو على الساحة الدولية، وهو ما يزيد من تعقيدات سياستها الخارجية.

الإرهاب وتهديد العمق
الحضور الإيراني في الساحة الدولية يتجلى عبر أنشطة تصنف كشبكة إرهابية عابرة للحدود، وهو ما ظهر في أحداث أستراليا الأخيرة حيث وجهت أصابع الاتهام إلى طهران منذ الساعات الأولى. ويذكر هنا اسم سردار عمار، القيادي البارز في فيلق القدس، الذي يزعم أنه يقود وحدة غير معلنة تعرف بـ “الفيلق 11000″، والمسؤولة عن تنسيق هجمات ضد مصالح إسرائيلية ويهودية حول العالم.
وبحسب تسريبات إعلامية، اعتمد عمار على أسلوب “الإرهاب بلا بصمات”، عبر تجنيد عناصر من شبكات الجريمة المنظمة وأجانب لتنفيذ عمليات في أوروبا وأستراليا مقابل مبالغ مالية ضخمة، لتفادي ربطها رسمياً بإيران. هذا الواقع دفع الحكومة الأسترالية إلى طرد السفير الإيراني والتهديد بإدراج الحرس الثوري على قائمة الإرهاب. وتندرج هذه المخططات ضمن استراتيجية أوسع لفيلق القدس في عملياته الخارجية الانتقامية، بما في ذلك محاولات الرد على مقتل قاسم سليماني، مثل السعي لاستهداف الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

تثبيت النفوذ ورسائل الردع

رغم أن طهران حاولت في الأسابيع الماضية الإيحاء بأنها لا تتدخل مباشرة في قرارات “حزب الله” وأنه “مطلق الإرادة”، فإن اللقاء الذي جمع ممثل الحزب في طهران عبد الله صفي الدين بعضو مجمع تشخيص مصلحة النظام علي لاريجاني، أظهر عودة إيران إلى الساحة اللبنانية بشكل واضح، في ظل التحضير لزيارة مرتقبة يقوم بها عباس عراقجي.

رسائل الضغط

التركيز على “إعادة التنظيم” داخل لبنان، بالتزامن مع المفاوضات النووية، يعكس أن الأجندة الإيرانية تتجاوز الشأن اللبناني الداخلي. الهدف هو توجيه رسالة ضغط للولايات المتحدة وإسرائيل مفادها أن أي تشديد اقتصادي أو نووي سيقابله تفعيل الأذرع الإقليمية ضمن مبدأ “الجبهة المترابطة”، ورفع كلفة المواجهة عبر إعادة هيكلة الميليشيا لتعزيز الردع.

كما أن الزيارات الرفيعة المستوى تهدف إلى إثبات أن النفوذ الإيراني ليس رمزياً فقط، بل عملي وإداري، قادر على التحكم بالقرار الاستراتيجي للحزب، خصوصاً في لبنان المحاذي لإسرائيل. وإذا صحت فرضية “إعادة التنظيم”، فهي مرتبطة بالوضع على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، وتشمل تحديث الخطط الميدانية وتطوير آليات التنسيق لضمان أعلى درجات الجاهزية كسلاح ردع ضد أي تحرك إسرائيلي محتمل، ومعالجة الثغرات التي ظهرت في تجارب سابقة.

موقف ولايتي وتجسيد الصراع

تصريح علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى، جاء ليؤكد بوضوح أن “حزب الله” ليس كياناً مستقلاً بل جزء من استراتيجية أمنية إقليمية إيرانية. فقد وصف الحزب بأنه “أحد أهم أعمدة جبهة المقاومة” و”يقف في الخطوط الأمامية”، متعهداً بمواصلة الدعم. وتزامن ذلك مع إعلان عبد الله صفي الدين أن الحزب “لن يسلم سلاحه بأي حال من الأحوال”.
في المقابل، شكّل الخلاف بين وزير الخارجية اللبناني الأسبق يوسف رجي ونظيره الإيراني عباس عراقجي نموذجاً نادراً لمحاولة رسم خط فاصل مع النفوذ الإيراني. إذ رفض رجي زيارة طهران واقترح لقاء في دولة ثالثة محايدة، مشترطاً احترام السيادة المطلقة واحتكار الدولة وحدها لحق السلاح. ورغم صرامة موقفه، انتهى الخلاف إلى توتر دبلوماسي دون تغيير ملموس في الواقع اللبناني.

مهمة عراقجي السرية

وفق مصادر دبلوماسية، فإن زيارة عباس عراقجي تحمل مهمة أساسية تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ يسعى إلى تقييم المناخ الداخلي للحزب عبر لقاءات مباشرة مع قياداته وشخصياته المؤثرة. هذه المعطيات ستستخدم لاتخاذ قرارات حاسمة بشأن تغييرات مرتقبة في الهيكل القيادي، حيث تعتبر طهران أن القيادة الحالية لا تلبي متطلبات المرحلة الحرجة.

ووفق مصادر اعلامية متعددة ، أوكل ملف التنظيم إلى الحرس الثوري الإيراني الذي يضع نفسه في موقع صاحب القرار في أي خطوة تخص الحزب، سعياً لمعالجة ما تعتبره طهران خللاً في الأداء الحالي، خصوصاً في ما يتعلق بتراجع تحالفات الحزب داخل لبنان.