الأحد 6 محرم 1448 ﻫ - 21 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

ترامب يفرض إيقاعه على الملف اللبناني.. "زمن سقوط الأقنعة والبدء بالتفاوض المباشر"

لا يمكن فصل المشهد اللبناني عن المشهد العام في المنطقة، الذي ربطت فيه طهران مصير المنطقة بمصيرها، في محاولة لإفشال عملية «الفصل الجراحي» للمسار اللبناني عن نظام «الولي الفقيه» التي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

لقد كشفت الساعات الأربع والعشرون الماضية عن العديد من الأحداث المفاجئة، لا سيما لناحية الإعلان عن استقالة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، رئيس الوفد المفاوض مع الولايات المتحدة. هذه الاستقالة مهّد لها النظام عبر إشاعة أخبار عن خلافات بين الجانب السياسي الإيراني والعسكري، الذي يتصدر مشهديته أحمد وحيدي، أول قائد لـ«فيلق القدس»، صاحب «النشرة الحمراء» المذيّلة بتوقيع «الإنتربول»، والذي أورثها لاحقًا إلى قاسم سليماني. إن محاولة التضليل التي أراد «نظام الملالي» ممارستها، بعد عزوفه عن المشاركة في الجولة الثانية من المفاوضات، لم تنطلِ على الرئيس الأميركي، الذي كان قد دوّن على منصته «تروث سوشال» قبل أيام بالقول: «إيران تواجه وقتًا عصيبًا جدًا في محاولة معرفة من هو قائدهم! إنهم ببساطة لا يعرفون! الاقتتال الداخلي يدور بين “المتشددين” الذين يخسرون بقوة في ميدان المعركة، وبين “المعتدلين” الذين ليسوا معتدلين على الإطلاق».

ترامب يسقط قناع «الملالي»

هذه التدوينة يرى فيها المحللون أن ترامب أسقط القناع عن الدبلوماسية الإيرانية التي تعتمد على الخداع، وأن «الاعتدال» مجرد لعبة باتت مفضوحة. وفي هذا السياق، يمكن استرجاع زمن انتخاب مسعود بزشكيان رئيسًا لإيران كوجه «معتدل»، أرادت من خلاله الالتفاف على الضغوط وإظهار النظام وكأنه يمارس تحولات تمكّنه من الهروب إلى الأمام، إلا أن هذا المسار انتهت صلاحيته وبات مكشوفًا تمامًا أمام الإدارة الأميركية.

كسر «المحرّمات»

وعلى المقلب اللبناني، وفي خطوة ستُدخل لبنان في المسار الفعلي التفاوضي بينه وبين إسرائيل، كُسرت «المحرّمات» في جلسة أولى عُقدت الأسبوع الفائت في مقر وزارة الخارجية الأميركية، تلتها جلسة ثانية شكّلت علامة فارقة بانتقالها إلى البيت الأبيض ووضعها على طاولة الرئيس ترامب، الأمر الذي يثبت حزم الأخير لناحية المضي بالتفاوض بعيدًا عن الهيمنة الإيرانية ومناورات أذرعها. ورغم القصف الكلامي الذي شنّه «حزب الله» لناحية مشاركة لبنان في المفاوضات، وموقف رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري الرافض للمفاوضات المباشرة، فقد ألقيا بظلالهما على التشكيلة اللبنانية التي كانت تشير إلى حضور السفير السابق سيمون كرم، لتبقى السفيرة ندى حمادة متصدّرة المشهد، ومؤشرًا إلى أن الإدارة الأميركية فرضت إيقاعها.

عنصر المفاجأة كان حضور السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، المعروف بدفاعه الشرس عن الرؤية الإسرائيلية، ليشكّل ثقلًا نوعيًا يتجاوز الأعراف الدبلوماسية المعتادة. حضور هذا الشخص في قلب مفاوضات تخص لبنان اعتُبر رسالة واضحة بأن زمن المراعاة قد ولّى، وأن المطلوب الآن هو الانتقال من مرحلة التفاهمات الهشّة إلى مرحلة الفرض والإلزام تحت سقف الرؤية الأميركية الجديدة. هذا الحضور، إلى جانب صقور الإدارة، وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي بات واضحًا أنه «حجر» الأساس لبداية هذه المفاوضات ونهايتها، إلى جانب نائب الرئيس جي دي فانس، هدف إلى تسريع هذا المسار، ليتصدّر البيان الرسمي للرئيس ترامب اللوحة التفاوضية وخلاصتها: «إعلان ترامب الصريح عن العمل مع لبنان لحماية نفسه من “حزب الله”، وتمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، وتطلّعه لاستقبال رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قريبًا»، ليعلن عمليًا بدء مرحلة جديدة من تاريخ هذا الصراع.

ترامب يحسم لبنانيًا

ورغم أن النتائج الملموسة لهذه الجولة قد لا تبدو ضخمة في حسابات الربح والخسارة، يبرز المشهد الأكثر إثارة للجدل في الحوار الذي دار في المكتب البيضاوي بين ترامب وصحافي لبناني، الذي سأله عن عقبة القانون اللبناني الذي يجرّم التواصل مع إسرائيل، فجاء ردّه الحاسم: «سيتعيّن علينا إنهاء ذلك، سأحرص على ذلك، أنا متأكد تمامًا من أن ذلك سينتهي بسرعة كبيرة».

وضمن ذات الرؤية الحاسمة، رسم ترامب معالم سياسته للمرحلة القادمة تجاه لبنان بوضوح، بإشارته إلى أنه «يتوجب على إسرائيل الدفاع عن نفسها إذا ما تعرّضت للصواريخ، ولكن ينبغي أن تقوم بذلك بحذر»، معربًا عن تفاؤله بالقول: «أعتقد أن ملف السلام في لبنان سهل نسبيًا مقارنة بملفات أخرى نعمل عليها حاليًا». كما شدّد بحزم، برسالته الواضحة لنظام «الولي الفقيه»: «على إيران أن تقطع التمويل عن “حزب الله” كجزء لا يتجزأ من أي تسوية مستدامة».

وفي سياق منفصل عكس رؤيته لمستقبل لبنان، أشاد ترامب بكفاءات اللبنانيين وقدراتهم الاقتصادية قائلًا: «لقد كان لبنان بلدًا عظيمًا، كان بلدًا جميلًا، أناس أذكياء، أناس بارعون جدًا… لبنان يمتلك بعضًا من أذكى الأشخاص».

وفي ختام هذا اللقاء التاريخي، لا بد من الإضاءة على كلمة السفيرة ندى حمادة، التي توجّهت فيها إلى الرئيس ترامب قائلة: «أود حقًا أن أتوجه بالشكر للولايات المتحدة، تحت قيادتكم، على كل جهودكم المبذولة لمساعدة ودعم لبنان. وأعتقد أنه بمساعدتكم ودعمكم يمكننا أن نجعل لبنان عظيمًا مرة أخرى. شكرًا جزيلاً لكم». هذه الكلمات اعتُبرت إعلانًا صريحًا عن انخراط لبنان الرسمي في الرؤية الأميركية الجديدة، وخطوة نحو مسار سياسي قد يحمل الاستقرار للبنان من خلال تفاوض دبلوماسي قد يجنّب لبنان مزيدًا من الدمار، عبر جعل المصلحة اللبنانية فوق الحسابات الإقليمية الضيّقة التي حوّلته إلى رهينة «نظام الملالي» على مدى عقود.