
سجن رومية
لم تعد قضايا السجون في لبنان مجرد شعار يتردد في المؤتمرات الدولية، بل تحولت إلى وجع يومي يعيشه السجناء خلف القضبان بكل مرارة. ففي الوقت الذي يرفع فيه الوفد اللبناني في جنيف وعوداً براقة عن إصلاح السجون وضمان العدالة، يكشف سجن رومية وغيره عن واقع مختلف تماماً، واقع يختصره الاكتظاظ الخانق والإهمال الطبي والانتظار الطويل بلا محاكمة. كثيرون يقضون سنوات في التوقيف الاحتياطي قبل أن يحصلوا على البراءة، لكن بعد أن تكون صحتهم قد انهارت وأعمارهم قد ضاعت خلف الجدران.
الأرقام التي خرجت من السجون خلال السنوات الأخيرة تؤكد أن الأزمة ليست عابرة، فبعد تسجيل عشرات الوفيات في 2022، استمر النزيف في 2023 و2024 وصولاً إلى 2025 و2026 حيث تكررت حالات الوفاة داخل رومية والقبة نتيجة غياب الرعاية الصحية. وفي خطوة تصعيدية لافتة، أعلن سجناء رومية في بيان صدر بتاريخ 25 كانون الثاني 2026 عن دخولهم في إضراب شامل عن الطعام ابتداءً من اليوم ، مع دعوة لاعتصام مركزي في ساحة رياض الصلح يوم الجمعة المقبل.
البيان شدد بلهجة حازمة على رفض ما وصفه بـ “العدالة الانتقائية”، مطالباً باعتماد عدالة انتقالية شاملة تنصف جميع السجناء وتنهي سياسة التمييز، كما حذر البيان من تدهور الأوضاع الصحية الكارثية داخل الغرف التي باتت تهدد حياة الجميع. ورغم ترحيب السجناء بالإفراج عن النزلاء السوريين، إلا أنهم اعتبروا أن استمرار معاناة بقية السجناء يمثل ظلماً فادحاً يستوجب المعاملة بالمثل لضمان كرامة الجميع. وقد أضفى ظهور الشيخ أحمد الأسير في تسجيل مصور من داخل “المبنى ب” لدعم هذه المطالب بعداً سياسياً إضافياً، وضع ملف العفو العام في واجهة النقاش الوطني مجدداً كأداة ضغط لا يمكن تجاهلها.
تقارير جنيف والمواجهة الحقوقية الدولية
تزامنت هذه الصرخة مع الاستعراض الدوري الشامل للبنان في جنيف الأسبوع الفائت حيث قدمت “منظمة منا” لحقوق الإنسان مع شركاء دوليين تقارير كشفت عن استمرار التعذيب في مراكز الاحتجاز رغم وجود القانون رقم 65 لعام 2017 مع فشل تفعيل الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب… كما تم توثيق ترحيل لاجئين سوريين تحت مسمى العودة الطوعية القسرية بما يخالف الاتفاقيات الدولية التي تحظر الإعادة القسرية… وأدانت التقارير استخدام المذكرات الأمنية الإقليمية والاتفاقيات لتجاوز معايير حقوق الإنسان والالتفاف على القوانين الدولية المعنية بحماية المعارضين… وتعكس هذه المعطيات حجم الفجوة بين الالتزامات النظرية والممارسات الميدانية للأجهزة الأمنية والقضائية.
هذه القضية لم تتوقف عند حدود التقارير، بل برزت من خلال صوت المحامي اللبناني والمدافع البارز عن حقوق الإنسان محمد صبلوح، الذي شارك ممثلاً لـ مركز “سيدار” للدراسات القانونية، ليضع المجتمع الدولي أمام حقيقة ما يحدث. صبلوح لم يذهب للمجاملة، بل قدم شهادات موثقة عن التعذيب في السجون اللبنانية وعن حالات الإعادة القسرية للاجئين السوريين بما يخالف القوانين الدولية. وأكد صبلوح، وهو مدير برنامج الدعم القانوني في المركز، أن الدولة اللبنانية تتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن كل روح تزهق خلف القضبان.
مشاركة صبلوح تضمنت أيضاً الحضور في ندوات جانبية نظمتها منظمات حقوقية دولية، أكد فيها أن بعض الملفات التي قدمها قد تحدث فضيحة دولية إذا لم يتم التعامل معها بجدية من قبل السلطات. ورغم ما يتعرض له منذ سنوات من مضايقات وتهديدات داخل لبنان بسبب نشاطه الحقوقي الجريء، إلا أن حضوره في جنيف شكل خطوة قوية لإيصال صوت الضحايا اللبنانيين والمنسيين مباشرة إلى المجتمع الدولي، كاشفاً الفجوة الكبيرة بين كلام الوفد الرسمي اللبناني عن تطوير التدريب ولجان الوقاية، وبين واقع أنين الموقوفين الذين يقتلون في أقبية التحقيق أو يموتون في سجون رومية والقبة دون علاج.
لقد كشفت جلسات جنيف عام 2026 أن حقوق الإنسان في لبنان أصبحت مجرد مادة للاستهلاك الدبلوماسي، حيث جاءت توصيات دول كألمانيا والدنمارك وكرواتيا لتطالب بوقف التعذيب فوراً والسماح للهيئات الحقوقية بالوصول لمراكز التحقيق فوراً. كما انعكست تقارير المنظمات وشهادات الحقوقيين في توصيات المملكة المتحدة وموزمبيق بضرورة احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، وتوصيات اليابان وسويسرا بتفعيل آليات الوقاية واستقلال القضاء.
إن هذا التناقض الصارخ يضع الدولة أمام امتحان أخلاقي وسياسي، إما أن تواجه الحقيقة وتقر بعجزها، أو تستمر في سياسة الإنكار والتمييز التي تحول السجون إلى مقابر صامتة.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالمسؤولية، ومن وضع حد للتعذيب والإهمال، ومن إعادة العدالة إلى من فقدوا أعمارهم خلف الجدران، سواء كانوا مواطنين لبنانيين ضاقت بهم سبل الإنصاف أو لاجئين تقاذفتهم رياح السياسة والظلم.