
غارة إسرائيلية على بلدة تول بجنوب لبنان (رويترز)
يدخل لبنان الأيام الأخيرة من عام 2025 وهو يقف على حد السكين، مترقباً ما ستسفر عنه الساعات المقبلة من تطورات كبرى تصاغ في أروقة السياسة الدولية. ومع اقتراب اللقاء المرتقب ، في منتجع مارالاغو بفلوريدا بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يبدو أن المنطقة بأسرها تقف أمام غرفة عمليات تهدف إلى تثبيت تحالف الرجلين الذي تعزز طوال العام الأول من ولاية ترامب الثانية، ورسم ملامح إقليمية لعام 2026 تضع الملف اللبناني في صلب الأولويات.
فلوريدا ورسم ملامح المنطقة
تشير المعطيات المتوافرة إلى أن زيارة نتنياهو لفلوريدا، تهدف لتنسيق سياسة الضغط الأقصى تجاه إيران، والبحث عن صيغة نصر نهائية في جبهتي غزة ولبنان. وتسعى إسرائيل من خلال هذا التنسيق لضمان أمنها المطلق وتأمين غطاء أمريكي يحميها من ملاحقات المحاكم الدولية، تمهيداً لفرض واقع جديد مع مطلع العام القادم.
في المقابل، توقف أحد المحللين السياسيين عند الموقف الأخير لـ “محور المقاومة”، وتحديداً تصريحات النائب حسن فضل الله عبر شاشة متلفزة، معتبراً أنها تحمل انتقاداً مبطناً لجدوى سياسة التصعيد الإسرائيلي. وبحسب رؤية المحلل، فإن حديث فضل الله عن فشل سياسة الاغتيالات واستهداف الكوادر في “النصارية” ووصفها بأنها “دليل إحباط عسكري”، يهدف إلى تصوير المشهد وكأن إسرائيل لم تنجح في تحويل التفوق الجوي إلى مكاسب استراتيجية تكسر إرادة الميدان.
ويضيف المحلل أن إشارة فضل الله إلى أن هذه العمليات تهدف لجمع “أوراق ضغط” قبل لقاء مارالاغو، تأتي في سياق محاولة التملص من أي “إملاءات خارجية” قد تمس بمكتسبات الحزب تحت مسمى الكرامة الوطنية. كما يرى المحلل في تشديد فضل الله على جهوزية القدرات الصاروخية لـ “إيلام العدو في العمق”، محاولة لفك الارتباط القسري بين الضغوط السياسية التي يقودها ترامب والواقع العسكري على الأرض، في رهانٍ واضح على استمرارية المواجهة بمعزل عن التبدلات الدولية.
الموقف الاستراتيجي لـ “حزب الله”
وفي سياق القراءة العميقة لمواقف “محور المقاومة”، لا بد من الإضاءة على الزيارة الأخيرة والهامة التي قام بها السيد هاشم صفي الدين إلى طهران كحدث مفصلي يلقي بظلاله على المشهد الراهن. وباعتباره ممثلاً لـ “حزب الله” في إيران وأحد أبرز صانعي قراره، فإن الموقف الذي خرج به صفي الدين عقب لقاءاته المكثفة مع القيادة الإيرانية يعد حجر الزاوية في رسم ملامح المرحلة المقبلة. لقد عكست تلك الزيارة وما تلاها من تصريحات توجهاً واضحاً نحو رفض قاطع للانتقال لـ المرحلة الثانية من ترتيبات وقف إطلاق النار التي تسعى واشنطن وتل أبيب لفرضها مع بداية 2026.
هذا المشروع، الذي يهدف لنزع السلاح شمال الليطاني وصولاً للبقاع والضاحية، تراه “قوى المقاومة” مشروع فتنة وانتحاراً عسكرياً لا يمكن القبول به، خاصة وأن الالتزامات بنظرها تنحصر جغرافياً بجنوب الليطاني فقط، ولا مجال لتقديم تنازلات إضافية تحت وطأة التهديد.
عون والموازنة بين السيادة والظروف
وسط هذا التصعيد، برز موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من بكركي كصوت يحاول اعتماد الواقعية الاستراتيجية في مقاربة الملفات الشائكة. فبينما أكد الرئيس عون على حصرية السلاح كشرط للسيادة إرضاءً للمرجعية الوطنية، إلا أنه قرن هذا التوجه بضرورة مراعاة الظروف القائمة، وهو تعبير يعكس حذراً رئاسياً في التعاطي مع تعقيدات الداخل والمهل الأمريكية الضاغطة. ويرى مراقبون أن هذا الموقف، وإن كان يهدف لتأكيد التزام لبنان الرسمي بالقرار 1701، إلا أنه يتجنب الاصطدام بالواقع الميداني المعقد، بانتظار نضوج مناخ يسمح بترجمة التوجهات السيادية بعيداً عن شبح التفجر الداخلي.
إن لبنان اليوم أمام مأزق زمني حاد وتصادم في الأجندات. فبينما تلوح إسرائيل بأن مطلع عام 2026 سيكون موعداً للعودة إلى سياسة الضربات في العمق إذا لم يبدأ تنفيذ المرحلة الثانية، يتمسك “حزب الله” بقواعد الاشتباك الحالية استناداً إلى ثوابت زيارة صفي الدين الأخيرة. وهذا الانقسام يضع البلاد أمام خيارين …إما أن تنجح صفقات ترامب في فرض تسوية إقليمية شاملة، أو أن يتدحرج الميدان نحو مواجهة أوسع تطيح بكل التفاهمات الهشة نتيجة اصطدام المطالب الدولية بالوقائع اللبنانية الميدانية الصلبة. وبين ترقب نتائج لقاء فلوريدا ومقاربات الظروف في بيروت يبقى العام 2026 هو الاختبار الحقيقي لقدرة لبنان على حماية استقراره وصون سيادته في وجه عواصف التغيير الإقليمي.