الجمعة 18 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

سقوط مقولة "آخر من يوقع" في حقل كاريش.. مفاوضات واشنطن لم تأت من فراغ

لطالما ترددت عبارة “لبنان آخر من يوقع السلام مع إسرائيل” لعقود طويلة من تاريخ الجمهورية، لتتحول على مر السنوات إلى مبدأ متعارف عليه. هذه المقولة خرجت من فكرة “الحياد اللبناني” الذي شدد عليه الرئيس الراحل فؤاد شهاب في لقائه التاريخي مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر عام 1959، حيث أكد أن قوة لبنان تكمن في حياده العربي وعدم إدخاله في صراع المحاور. ومنذ ذلك الحين، تحولت الفكرة إلى مقولة متداولة وعابرة للعهود والزعامات، رددها فؤاد بطرس في مؤتمر مدريد عام 1991 ليؤكد تريث لبنان خلف المسارات العربية، وكرسها الشهيد رفيق الحريري في التسعينيات ليحمي لبنان من الانفراد بالحلول، كما كانت علامة فارقة في نداء المطارنة الموارنة في سبتمبر 2000 الذي ترأس البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير اجتماعه ، حيث جاء في نصه “إننا نرى أن لا خلاص للبنان إلا بالحياد، فلا يكون ساحة صراع ولا ساحة مواجهة، بل يكون بلداً رسالة، وملتقى حضارات وأديان، وواحة حوار وسلام”.

ولكن، هذا الإرث التاريخي الذي لطالما كان حصناً للبنان، تحول اليوم في نظر الكثيرين إلى مجرد غطاء سياسي احتمى خلفه رئيس مجلس النواب نبيه بري لتبرير أسلوبه في إدارة ملف التفاوض. وفي هذا الإطار، يرى محلل سياسي في حديثه لموقع “صوت بيروت إنترناشونال” أن بري اتخذ من هذه المقولة مبرراً لسياسة “إخراج الأرانب” التي اشتهر بها، محاولاً الموازنة بين حسابات الميدان وضرورات الدبلوماسية لضمان بقاء خيوط اللعبة في يده. ويضيف المحلل أن هذه المناورة التي استهلكت لسنوات في استثمار الوقت، اصطدمت اليوم بواقع سياسي صعب في واشنطن، فما كان يسوق له بالأمس كبراعة في اجتراح الحلول، تبين أنه لم يكن سوى تأجيل لاستحقاقات واجهت الدولة في لحظة الحقيقة، حيث لم تعد الساحة تحتمل المزيد من “أرانب” التفاوض أمام سقف المطالب الواضح.

الترسيم الذي هرب في ليل الصمت

وهنا لا بد من العودة إلى محطة ترسيم الحدود البحرية عام 2022، التي شكلت الانعطافة الفعلية لكسر اللاءات التاريخية، فالمفاوضات الحالية لم تأت من فراغ، بل هي استكمال لمسار التنازل الذي بدأ هناك. وفي هذا السياق، كشف المصدر نفسه ل”صوت بيروت إنترناشونال” أن “اتفاق الترسيم لم يكن مجرد تفاهم تقني، بل كان تسوية سياسية كبرى ن كما بات معروفا ، تمت خلف الكواليس. ففي الأسبوع الأخير من ولاية الرئيس ميشال عون، وفي لحظة سياسية ضاغطة، جرى تهريب اتفاق الترسيم بعيداً عن أروقة مجلس النواب وبمعزل عن أي نقاش دستوري تحت قبة مجلس النواب. هذا الالتفاف أدى عملياً إلى التخلي عن الخط 29، وهو ما كبد لبنان خسارة جغرافية واقتصادية هائلة، حيث ضاعت مساحة بحرية تقدر بـ 1430 كلم²، ومعها كامل حقل “كاريش” الذي ذهب لصالح إسرائيل، مقابل وعود ورقية في حقل قانا.

واللافت في تلك المرحلة كان تحالف الصمت الذي مرر الصفقة، فبينما وقع الرئيس السابق ميشال عون بإيعاز وتغطية سياسية مباشرة من “حزب الله”، اختار الرئيس بري الانحناء للعاصفة بصمت مريب، مفرطاً بصلاحية البرلمان في الرقابة والمصادقة. هذه الخسارة لم تكن مجرد تفصيل بسيط أو إجراء عادي، بل كانت الضربة الأولى التي هزت قوة لبنان في التفاوض، وأسقطت فعلياً مقولة “آخر من يوقع” يوم قبل التفاوض المباشر على الثروة السيادية في كاريش، وبسببها، فتح الباب لمفاوضات اليوم التي لم تعد تبحث عن كسب الوقت أو تبادل المصالح السياسية، بل وصلت إلى صلب الموضوع، مَن يملك القرار في الدولة، ومَن يملك السلاح على الأرض.

وبالانتقال الى الجلسة الثلاثية التي عقدت اول من امس في واشنطن، يرى المحلل ان المرحلة الحالية لم تعد تحتمل المناورة فقد رسم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حدودها بوضوح حين وصف اللقاء بأنه فرصة تاريخية لإنهاء نفوذ “حزب الله” الذي استنزف لبنان على مدى عقود. واشنطن اليوم لا تطلب انسحاباً تكتيكياً، بل تطالب الدولة اللبنانية باستعادة احتكارها للسلاح كشرط وحيد وأساسي لتدفق مساعدات إعادة الإعمار، مما يضع السلطة في بيروت أمام استحقاق وجودي لطالما هربت منه عبر أنصاف الحلول.
وفي مقابل هذا الحزم الأمريكي، برزت مناورة السفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر، الذي حاول إحراج الوفد اللبناني بوصفه “شريكاً” في تحرير لبنان من النفوذ الإيراني. لكن الخطورة الحقيقية تكمن في الدولة التي غضت الطرف لسنوات عن بناء بنية تحتية عسكرية جنوب لبنان ومعظم الجغرافيا اللبنانية، تجد نفسها اليوم أمام معضلة تنفيذ تعهدات واشنطن، وهذا الامر يشكل التحدي الاكبر لنجاح هذه المفاوضات.

ألغام الداخل

تحت هذا الضغط الدولي الهائل، أكدت السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض أن وجودها يهدف لتكريس مرجعية الدولة وتطبيق القرار 1701. لكن هذا الخطاب الدبلوماسي يصطدم في بيروت كما أوردنا سابقاً بواقع مرير محكوم بازدواجية السلطة. فكيف ستترجم الدولة وعودها باحتكار السلاح، بينما التاريخ القريب يؤكد أن القرار السيادي كان يمر دائماً عبر بوابة “الثنائي” الذي شرعن المقايضات السابقة، وفرط بالخط 29 وحقل كاريش؟