السبت 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 6 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

صراع السلاح في لبنان توقيت دبلوماسي حرج وتهديدات بمستقبل مظلم

تتجه الأنظار نحو جلسة مجلس الوزراء اللبناني المرتقبة، التي تنعقد في ظل توتر سياسي غير مسبوق. يدور المحور الأساسي للجدل حول ملف السلاح خارج سيطرة الدولة، وهو ملف بات يهدد بتفجير الوضع الداخلي في وقت تزداد فيه الضغوط الخارجية على بيروت. هذه اللحظة الحرجة تتزامن مع تساؤلات مكثفة حول دور الدبلوماسية الأمريكية، وتحديداً حول المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك، الذي أثارت مواقفه وعلاقاته الأخيرة سلسلة من علامات الاستفهام.

لقد ارتفعت نبرة التحذيرات بشكل لافت من أطراف نافذة مرتبطة بما يسمى “محور الممانعة”. فقد صدرت تصريحات شديدة اللهجة من قيادات دينية وسياسية بارزة، تحذر الحكومة من المساس بملف السلاح، وتلمح إلى عواقب وخيمة قد تطال استقرار السلطة التنفيذية برمّتها. تلتقي هذه اللهجة مع تصريحات الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، الذي رفض رفضاً قاطعاً تسليم السلاح، مؤكداً استعداد الحزب لمناقشة كيفية دمج السلاح ضمن “استراتيجية وطنية” دون تسليمه لإسرائيل. واتهم قاسم المبعوث الأمريكي توم باراك صراحةً بأنه “يريد السلاح من أجل إسرائيل”، لا بهدف ضبط الوضع الأمني في لبنان، مستخدماً لغة تحدٍ وتضحية شديدة للدلالة على ثبات موقفهم، ومشدداً على أن الأولوية في لبنان يجب أن تكون لوقف العدوان وإعادة الإعمار، لا تسليم قوة لبنان. هذه المواقف ليست مجرد تصريحات عابرة، بل هي مؤشرات واضحة على خطوط حمراء داخلية قد تؤدي إلى شلل حكومي أو حتى انهيارها إذا ما تم الإصرار على مسار لا يتوافق مع رؤية هذا المحور.

في المقابل، تتواصل المطالبات الأمريكية، التي يبلغها المبعوث توم باراك، بضرورة وضع كافة الأسلحة تحت سيطرة الدولة اللبنانية كشرط أساسي لتقديم أي دعم. لكن مواقف باراك نفسها باتت محاطة بجدل، خاصة بعد تسريبات أشارت إلى تقاربه مع شخصيات محسوبة على محور الممانعة. فبعض التقارير تحدثت عن رحلة له إلى موناكو على متن يخت يعود لرجل أعمال لبناني، وذلك بالإضافة إلى ما أثير حول صداقته مع رجل أعمال آخر كان من أبرز الداعمين للمرشح الرئاسي لمحور الممانعة. هذه المعلومات تثير تساؤلات حول مدى اتساق أجندة باراك مع الخط العام للسياسة الأمريكية، وتجعل موقفه أكثر تعقيداً في بلد متشابك المصالح كـ لبنان.

توقيت مثول السفير الأميركي المقترح لدى لبنان، ميشال عيسى، أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، في هذه الظروف الحساسة، يفتح الباب واسعًا أمام التكهنات. هل هو مجرد إجراء اعتيادي، أم أنه إشارة لمراجعة شاملة للدور الأمريكي في البلاد، قد تتضمن تهميشًا تدريجيًا للمبعوث براك سعيًا لإعادة ضبط البوصلة الدبلوماسية الأمريكية بالمنطقة؟ في هذه الجلسة، أدلى عيسى بشهادته، معتبراً أن نزع سلاح حزب الله “ليس خياراً بل ضرورة”، ومشدداً على أن الحزب وراعيه الإيراني يعيقان النهوض الاقتصادي ويقوّضان سيادة الدولة. كما دعا عيسى إلى الاستفادة من وقف إطلاق النار الأخير مع إسرائيل لترسيم الحدود وتحقيق تطبيع واقعي، وإعادة بسط سلطة الدولة في الجنوب، مؤكداً على أهمية دعم الجيش اللبناني كـ”آخر مؤسسة موثوقة متبقية في لبنان”. هذه التصريحات الواضحة من السفير المقترح تبرز الموقف الأمريكي الحازم وتعكس تناقضاً ظاهراً بين المواقف الداخلية المتصلبة من جهة، والشروط الدولية المتزايدة التي يحملها المسؤولون الأمريكيون من جهة أخرى، مما يضع لبنان في مأزق حقيقي.

الحكومة اللبنانية، ممثلة برئيس وزرائها، تحاول تقديم مسألة حصرية السلاح كبند طبيعي وضروري ضمن خطة عملها، إلا أن التصلب في المواقف الداخلية يُشير إلى أن إمكانية التوصل إلى رد موحد على المطالب الأمريكية باتت ضئيلة للغاية. هذا الانقسام العميق يعني أن الدولة اللبنانية قد فقدت أي “فترة سماح” كانت تحظى بها من المجتمع الدولي. فالرسائل الواضحة والصريحة، المدعومة بتنسيق وثيق بين واشنطن والرياض، تؤكد أن المماطلة لم تعد مقبولة، وأن المساعدات والإصلاحات مرتبطة بشكل لا يقبل التجزئة بملف حصرية السلاح. في ظل هذا المشهد، يبدو أن لبنان يقف على أعتاب مرحلة بالغة الخطورة، تحمل في طياتها ملامح مصير قاتم إذا استمرت الأطراف الداخلية في تمسكها بمواقف قد تعزل البلاد تماماً عن أي دعم خارجي ضروري لبقائها.

    المصدر :
  • صوت بيروت إنترناشونال