
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على مدى أشهر، شاشات وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، التي باتت تحتاج إلى استشارة المنجمين لمعرفة أسباب لعبته المزدوجة، التي يرفع فيها حينًا سقف التهديد، ثم يلتف بعدها ليمنح طهران مهلًا جديدة، مُبقيًا نواياه مبهمة ومحيرة للمراقبين لناحية مدى جديتها.
فهو تارةً يلوّح بالنار، فيحبس أنفاس العالم، وتارةً أخرى يتراجع مستخدمًا نبرة دبلوماسية، تبيّن من خلال مقاربته للملف الإيراني أنها لا تتلاءم مع الصورة التي يظهر بها في معظم منشوراته على منصة “تروث سوشال”، حيث يبدو المسيطر على مجريات الأمور، ولا سيما في ما يتعلق بالمخزون النفطي الإيراني، وعلى رأسه جزيرة خرج، مبررًا إيقافه الضربة الحاسمة ضد النظام في طهران بأنها جاءت استجابةً لوساطات بعض الدول الحليفة، وبناءً على طلب إيراني، إذ يؤكد دائمًا أن طهران تسعى إلى لقائه في جولة تفاوضية جديدة.
وهنا يبرز السؤال الذي يبدو عصيًا على الإجابة: هل هي مهل استنزافية لما تبقى من مرشدية منهارة وبقايا قيادات الحرس الثوري، التي تعيش حالة تناحر على “إرث” ما سُمّي بـ”الثورة”، للإيقاع بما تبقى من هذا النظام في فخ الرفض المبطّن، ليعود بعدها إلى رفع منسوب التهديد بضرب النظام بقوة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الحروب؟
هندسة الصراع
مع كل مهلة يقدمها ترامب للنظام الإيراني، على طبق من فضة وفقًا لبعض المحللين، تخرج أصوات من قلب طهران لتنسف رواية الرئيس الأميركي، الذي يواصل الترويج لأجواء إيجابية، متحدثًا عن “فرصة أخيرة” للتفاوض، كما أعلن أمس.
إلا أن مصادر إيرانية معارضة تمتلك رؤية مختلفة لمسار مناورة الرفض الإيراني، وتؤكد أن النظام يحاول الإيحاء بأنه لا يزال يملك القدرة على الضغط، وإمكانية جرّ الرئيس ترامب إلى ملعبه الذي فرغ من لاعبيه الأساسيين، وهو أمر بات مستحيلًا لاعتبارات عديدة.
فمشهد النظام الثوري المتماسك انهار بالكامل مع اغتيال المرشد علي خامنئي. وما زاد الطين بلة هو حالة الضبابية المطلقة التي تلف مصير نجله مجتبى، الوارث للعباءة من دون عمامة. وحتى لو كان لا يزال على قيد الحياة، فإن قراراته باتت مجرد صدى، فيما تصاغ التصريحات والمواقف من قبل جهات مجهولة تدير دفة “الولاية”، التي تتخبط سياسيًا في الملف التفاوضي، وعسكريًا عند انتقالها إلى الميدان، فتطلق بعض المسيّرات والصواريخ باتجاه منشآت مدنية في بعض دول الخليج، وباتجاه السفن التي تخالف المسار الذي حددته طهران في مضيق هرمز.
ووفق رؤية أحد المعارضين للنظام الإيراني، في حديثه إلى موقع “صوت بيروت إنترناشونال”، تتمحور هندسة الصراع الأميركية حول إيصال الخصم إلى حالة نفسية مدمرة، ودفعه إلى حافة الهاوية حتى ينهار. وفي هذا السياق، لا تعدو تصريحات الرفض الإيرانية العلنية أن تكون سوى “بروباغندا” إعلامية للاستهلاك، بينما يجري القبول بالواقع ضمنًا خلف الكواليس، تفاديًا لضربة كبرى.
وأضاف المصدر أن الولايات المتحدة تعوّل على اندلاع ثورة مسلحة في الداخل، وأن نظام طهران يدرك ذلك بدقة. وأشار إلى وجود تدفق كبير للأسلحة إلى داخل إيران، ما يرجح أن تشهد البلاد ثورة مسلحة غير مألوفة، تحظى بدعم واشنطن.
ورأى أن حجم الأسلحة والأساطيل الأميركية الضخمة لم يُحشد من أجل الملف النووي، الذي يعد مجرد غطاء، ولا من أجل فتح مضيق هرمز، الذي يمكن إنجاز ذلك فيه خلال وقت قصير، بل لتحقيق هدف أكبر يتمثل في إسقاط النظام وتقسيم إيران. ويُعد هذا الهدف، بحسب المصدر، أولوية أميركية وإسرائيلية، ويتطلب وقتًا لهندسة الصراع وتهيئة الأجواء في المنطقة، لأن الأمور تتجه في طهران نحو مشروع “يوغوسلافيا الجديدة”.