الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

فخ "ساعة الصفر".. هل يمهد التكتيك الاستراتيجي لترامب لانفجار جبهة لبنان؟

في وقت يقف فيه العالم على أطراف أصابعه بانتظار الضربة الكبرى لإيران، تظهر في البيت الأبيض ملامح لا تعكس حقيقة ما يحضر في الكواليس… فبينما يطل الرئيس الاميركي دونالد ترامب متحدثا عن “قانون الحليب” وذكريات الطفولة أمام زجاجة حليب توسطت مكتبه، في مشهد يوحي بالهدوء والانشغال بتفاصيل داخلية بسيطة، تتحرك أضخم آلات الحرب الأمريكية في المنطقة، سواء على صعيد حاملات الطائرات أو التحركات داخل القواعد. وهذا التباين المدروس لا يمكن أن يكون مجرد مصادفة، بل هو جزء من تكتيك يهدف لتضليل الخصم وإفقاده عنصر المبادرة، خاصة وأن ترامب أطلق وعدا صريحا للثوار والوطنيين الإيرانيين حين خاطبهم قبل أيام قائلا “المساعدة في الطريق”، وهو وعد تاريخي لا يتوقف عند حدود الداخل الإيراني، بل يمتد أثره ليشمل اللبنانيين والسوريين والعراقيين المناهضين لمشروع ولاية الفقيه، وأي تراجع عن هذا الالتزام سيشكل نكسة لكل هذه القوى التي تراهن اليوم، على نهاية حقبة عاثت في عواصمهم قتلا وفسادا.

إن القراءة العميقة لنهج ترامب تؤكد أنه لا يمكن أن يعطي إشارة مسبقة للنظام الإيراني تمكنه من أخذ حذره أو تحصين موقعه، وما يبدو اليوم كاستجابة لوساطات أو مبادرات عربية ليس سوى “فرصة أخيرة” وضعت على الطاولة بجدول زمني ضيق جدا ولن تطول… هذا النوع من “الهدوء الموقوت” هو مجرد مرحلة انتقالية تسبق الصدمة، ويترك المنطقة في حالة ترقب بانتظار التوقيت الذي يختاره ترامب وحده. وكما حصل مؤخرا في فنزويلا، حين ظن الجميع أن المفاوضات هي المخرج، واستفاق العالم على سحب نيكولاس مادورو من قصره في توقيت لم يتوقعه أحد، يبدو أن واشنطن تعيد ضبط “ساعة الصفر” ضمن قرار حاسم لا يخضع لحسابات الوسطاء أو ضغوط العواصم.

وهنا يبرز التساؤل حول الساحة اللبنانية، خاصة مع عودة الإنذارات والضربات الإسرائيلية بشكل مكثف وقاس خلال الساعات الماضية، والتي تركزت بشكل لافت على مناطق البقاع الغربي، حيث طال القصف بلدتي سحمر ومشغرة، والأخيرة تشكل ثقلاً سكانياً كبيراً في المنطقة، وذلك بعد سلسلة استهدافات سابقة طالت قرى عدة كبلدة عين التينة والمنارة… يضاف إلى ذلك الغارات العنيفة والمفاجئة التي استهدفت جرود الهرمل ووادي رأس العاصي للمرة الأولى دون إنذار مسبق، مما يطرح أسئلة جوهرية حول خطوات الحكومة اللبنانية وقيادة الجيش، التي أشارت في تقريرها الأخير إلى أن المرحلة الثانية من الاتفاق المرتبطة بشمال الليطاني ما زالت قيد التجهيز، فيما المرحلة الأولى لم تكتمل أصلاً بسبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي للعديد من النقاط.

ويبدو أن الأمل في انعقاد لجنة “الميكانيزم” بمشاركة مدنية بات صعبا، فلا مؤشرات توحي بأن الأمور ستستكمل، كون إسرائيل لم تنصع لمطالب لبنان بوقف الأعمال العدائية والانسحاب، بل ردت بتوسيع دائرة استهدافاتها… وفي هذا السياق، تبرز زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الأخيرة لبيروت كرسالة “طمأنة تحت الضغط”، فهي وإن تغلفت بطابع بروتوكولي، إلا أنها في العمق “جس نبض” أخير للميدان والشرعية اللبنانية. إنها زيارة لا يمكن اعتبارها عادية في ظل هذا التوقيت، بل هي محاولة لتحديد الأدوار التي قد توكل للساحة اللبنانية، في حال تأكدت طهران أنها باتت فعلياً على قاب قوسين من الضربة الأمريكية المحتومة.