
علم-فرنسا ولبنان
في زمن تتراجع فيه باريس داخليًا وتبحث عن موطئ قدم خارجي، جاءت زيارة المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت. هذه الزيارة، التي جرت في 11 أيلول 2025، حملت ملفات دعم الجيش اللبناني وإعادة الإعمار. لكنها وقعت وسط مشهد لبناني مأزوم وسياق فرنسي يعاني من اضطرابات سياسية واقتصادية غير مسبوقة، ما جعلها تبدو أقرب إلى محاولة إثبات حضور رمزي، منها إلى مبادرة قادرة على إحداث اختراق فعلي.
بين إرث المؤتمرات وتحديات اليوم
لطالما كانت مؤتمرات باريس الدولية أداة فرنسية لتعزيز نفوذها في لبنان. هذا النهج تأسس بفضل رئيس الوزراء الشهيد رفيق الحريري، الذي شكّل حجر الزاوية في إطلاق سلسلة من المؤتمرات الهادفة إلى دعم لبنان اقتصاديًا وسياسيًا، بدءًا من مؤتمرات باريس 1 و2 و3 بالتعاون مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك. تلك المؤتمرات كرّست موقع لبنان كشريك دولي في التنمية والاستقرار.
استمر هذا التقليد مع مؤتمر “سيدر” عام 2018 وسلسلة المؤتمرات الطارئة بعد انفجار مرفأ بيروت، وآخرها مؤتمر باريس الدولي في أكتوبر 2024. ورغم التعهدات التي بلغت مليار دولار، إلا أن غياب بعض القوى الإقليمية والدولية عن المؤتمر كشف عن محدودية التوافق، وأظهر أن فرنسا لا تستطيع وحدها أن تدفع عجلة الحل. ورغم الجدية في التحضير وحشد الدعم، غالبًا ما اصطدمت هذه المؤتمرات بانقسامات داخلية، وغياب الشفافية، واستمرار الاشتباك الأمني، ما جعل من الوعود الفرنسية أقرب إلى ضغط سياسي منه إلى التزام عملي.
تحولات الدور وتحدي السلاح
بينما كان الدور الفرنسي في زمن الشهيد الحريري قياديًا، أصبح اليوم أكثر حذرًا ورهنًا بالتوافقات الدولية. فالمعادلة اللبنانية لم تعد تُدار من عاصمة واحدة، والدور الفرنسي يبدو أقرب إلى الاستلحاق منه إلى القيادة. هذا التحول ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة فقدان جزء من ثقة اللبنانيين، لا سيما بعد محاولة فرنسا دعم مرشح محسوب على أحد المحاور لرئاسة الجمهورية، وهو ما لم يتغير إلا بعد تدخل الولايات المتحدة ودول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.
فرنسا، التي كانت تقود المؤتمرات وتؤسس للمبادرات، باتت اليوم تلاحق الإيقاع الإقليمي والدولي، وتنتظر إشارات من واشنطن والرياض قبل أن تتحرك. ومع استمرار الغموض حول مصير سلاح “حزب الله”، تتردد الدول الخليجية في تقديم أي دعم مالي أو سياسي، ما يزيد من عزلة المبادرات الفرنسية.
إن أي جهود لإعادة إعمار لبنان، خاصة في الجنوب، لن تنجح دون توافق إقليمي ودولي شامل. ويبقى التحدي الأكبر هو مصير سلاح “حزب الله”، الذي لم يُحسم بعد. هذا السلاح ليس مجرد قضية أمنية داخلية، بل هو مصدر التوتر الرئيسي الذي يعيق أي حل سياسي أو اقتصادي. فما دامت هذه القضية عالقة، ستبقى أي مبادرات دبلوماسية قاصرة عن تحقيق نتائج ملموسة. فرنسا، رغم تجنبها التصريحات المباشرة، تدرك أن ملف السلاح يشكل العقبة الأكبر أمام أي خطة دولية، وهو ما يفسر تحفظها في طرح مبادرات سياسية شاملة.
غياب المبادرة: هل من مؤتمر جديد؟
انتهت زيارة لودريان دون نتائج حاسمة، ولم تحمل أي إعلان رسمي عن مؤتمر جديد لدعم لبنان، ما يعكس محدودية التحرك الفرنسي في ظل غياب توافق دولي واضح. وإذا كانت باريس تفكر في إعادة إطلاق مؤتمر مشابه، فإن نجاحه سيكون مرهونًا بتوافق أميركي–خليجي أولًا، وتقدم داخلي لبناني ثانيًا. فرنسا وحدها، رغم تاريخها، لم تعد تملك القدرة على تحريك الملف اللبناني دون شركاء دوليين فاعلين.
في الخلاصة، زيارة لودريان إلى بيروت أعادت طرح الأسئلة حول موقع فرنسا في المعادلة اللبنانية. وبين إرث المؤتمرات وتحديات اليوم، بات واضحًا أن الدور الفرنسي يحتاج إلى مراجعة استراتيجية تعيد له صدقيته، قبل أن يعيد رسم حضوره. فالحل في لبنان لن يكون ممكنًا دون توافق دولي شامل يحل قضية السلاح، ويوقف التصعيد العسكري، ويفتح الباب أمام مشروع إعمار حقيقي ومستدام.