الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

قنبلة غراهام الدبلوماسية.. هل يعود عهد شمعون ومعاهدة الدفاع الأميركية؟

في ظل التوترات المتزايدة وتراجع الثقة بالمؤسسات اللبنانية، عاد دور الولايات المتحدة في أمن لبنان إلى الواجهة. لطالما اعتمدت العلاقة الأمنية بين واشنطن وبيروت على المساعدات العسكرية والتعاون الأمني، بعيدًا عن أي معاهدات دفاع رسميّة. ولكن، في سبتمبر 2025، ظهرت تقارير عن اقتراح أميركي غير مسبوق لابرام معاهدة دفاعية مع لبنان، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لتعزيز الاستقرار ومواجهة نفوذ حزب الله.

جوهر العلاقة
تُعتبر المساعدات الأمنية الأمريكية للجيش اللبناني حجر الأساس في سياسة واشنطن تجاه لبنان، حيث ترى في الجيش ركيزة للاستقرار وقوة لمواجهة الجماعات المتطرفة. منذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة مليارات الدولارات كمساعدات، ساهمت في تعزيز قدرات الجيش، وتأمين الحدود، ومواجهة تنظيمات مثل داعش، خصوصًا في ظل غياب مؤسسات أمنية بديلة موثوقة.

مقترح “قوة تحويلية”

خلال زيارة لوفد من الكونغرس إلى بيروت في أغسطس 2025، طرح السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، المعروف بمواقفه المتشددة ضد إيران وحزب الله، فكرة إبرام معاهدة دفاعية. وصف غراهام هذه الخطوة بأنها “قوة تحويلية” من شأنها ترسيخ الاستقرار وحماية التنوع الديني في لبنان. ولكن، لم يكن المقترح مجانيًا، إذ ربطه غراهام بالتزام لبنان بنزع سلاح حزب الله. يأتي هذا في سياق جهود أمريكية أوسع لتهدئة التوترات بين إسرائيل والحزب، عبر مقترحات لتحريك قواته بعيدًا عن الحدود وتقديم دعم اقتصادي للجنوب.

التاريخ يعيد نفسه؟

فكرة المعاهدة ليست جديدة تمامًا. ففي عام 1958، شهد لبنان تدخلًا عسكريًا أميركيًا مباشرًا في عهد الرئيس الراحل كميل شمعون، على خلفية اضطرابات داخلية. طلب شمعون تدخل القوات الأميركية، فنزلت قوات المارينز على شواطئ بيروت في عملية Blue Bat. جاء هذا التدخل بعد سقوط النظام الملكي في العراق، وتطبيقًا لمبدأ أيزنهاور الذي سمح لأمريكا بالتدخل في الدول المهددة. رغم عدم وجود معاهدة رسمية حينها، تُستحضر هذه الحادثة اليوم في الكونغرس الأمريكي كمثال على العلاقة الأمنية التاريخية، حيث أشار غراهام إلى ضرورة إحياء هذا النموذج عبر اتفاقية رسمية تضع لبنان تحت مظلة حماية أمريكية.

الانقسام الداخلي

كانت ردود الفعل اللبنانية على المقترح معقدة ومنقسمة. ففي خطوة غير مسبوقة، وافق مجلس الوزراء اللبناني في سبتمبر 2025 على خطة لنزع سلاح حزب الله من قبل الجيش اللبناني، لكن القرار اتُّخذ دون دعم الوزراء الشيعة الذين انسحبوا احتجاجًا. من جهته، رفض حزب الله الخطة بشكل قاطع، مؤكدًا أن سلاحه ضروري لحماية لبنان من إسرائيل، وأن الحديث عن نزع السلاح مرفوض طالما استمرت الاعتداءات الإسرائيلية. وبينما رحّبت بعض القوى السياسية بالمقترح، فإن غياب الدعم الشيعي ومعارضة الحزب القوية تضع هذه الخطة في مهب الريح.

فوائد محتملة

رغم الانقسامات الداخلية والتعقيدات السياسية، فإن إبرام معاهدة دفاع مشترك بين لبنان والولايات المتحدة قد يحمل في طياته مجموعة من الفوائد الاستراتيجية. من شأن المعاهدة أن تُعيد الاعتبار للمؤسسات الرسمية، وتُرسّخ دور الجيش اللبناني كمصدر وحيد للشرعية الأمنية، في مواجهة الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة. وجود التزام أميركي بالدفاع عن لبنان قد يشكّل عامل ردع فعّال أمام التهديدات الإسرائيلية أو أي اعتداءات إقليمية أخرى. كما أن الاستقرار الأمني الناتج عن المعاهدة قد يُشجّع على الاستثمار المحلي والدولي، ويُعيد الثقة بالبيئة الاقتصادية اللبنانية. بالإضافة إلى ذلك، قد تمنح المعاهدة لبنان موقعًا استراتيجيًا جديدًا في المعادلات الإقليمية، وتُعيد فتح قنوات الدعم العربي والدولي، وربما تُسهم في تقليص التأثير الإيراني داخل لبنان. ومع ذلك، تبقى هذه الفوائد مشروطة بوجود توافق داخلي حقيقي، وإرادة سياسية قادرة على تحويل المعاهدة من مجرد ورقة تفاهم إلى رافعة وطنية جامعة.

بين الطموح والواقع

إن مقترح المعاهدة الدفاعية بين الولايات المتحدة ولبنان يعكس تحولًا في التفكير الأميركي تجاه أمن المنطقة، لكنه يصطدم بواقع لبناني معقد. فبينما يُستحضر تدخل عام 1958 كمثال على قدرة واشنطن على حماية لبنان، فإن الواقع السياسي اليوم أكثر تشابكًا، مع وجود لاعب غير دولتي بحجم حزب الله، يتمتع بقاعدة شعبية وسلاح فعال. المعاهدة المقترحة ليست مجرد اتفاق أمني، بل اختبار لقدرة لبنان على اتخاذ خيارات سيادية وسط عواصف إقليمية ودولية. وبين الطموح الأميركي والواقع اللبناني، يبقى مستقبل هذه المعاهدة مرهونًا بقدرة الأطراف على بناء توافق داخلي حقيقي، لا مجرد تفاهمات مؤقتة.