الجمعة 18 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

لبنان في قبضة حسم ترامب.. والواقع يسقط "بروباغندا الإنكار”

لم يكن ما دونه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر منصته “تروث سوشال” مجرد موقف، بل هو مضمون جسد “خارطة طريق” استراتيجية متكاملة رسمها الاخير، ليضع لبنان تحت مجهر ادارته جمع فيها باسلوبه المعتاد الذي يمزج بين الحزم والرغبة الجادة في الحسم….لم يكتف ترامب بالوعود الإنشائية، فهو بهذه التدوينة وضع خارطته للمنطقة موضع التنفيذ مكرسا مقولته “السلام من خلال القوة”. رسالته كانت حازمة واشنطن تريد لبنان “مزدهرا وقويا”، لكن هذا الازدهار مشروط بخروج لبنان النهائي من عباءة “الولي الفقيه”.
تدوينة ترامب لم تبق على جدار “التروث سوشال” بل سلكت طريقها الى التنفيذ العملي، الذي اوكل لوزير الخارجية ماركو روبيو الذي رفع سماعة هاتفه واتصل بالرئيس اللبناني جوزف عون … روبيو الشخصية المعروفة بالحزم والتي يمكن تصنيفها بالانتماء الى “مدرسة الصقور” … ميزته الحزم لا يقبل الحلول الوسطى … انتهت المحادثة … زود روبيو الرئيس الاميركي بمضمونها.

دبلوماسية الصقور

اطلق ترامب بعدها العنان لصفارته… انها البداية إما التناغم مع الترددات التي تنطلق من مارالاغو لتحط في واشنطن ويسمع صداها في تل ابيب أو مواجهة عاصفة التغيير منفردة. ساعات قليلة عاد فيها الرئيس ترامب الى منصته ليعلن عبرها عن الاتصال الذي اجراه مع الرئيس عون ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو واصفا مضمون المحادثات بالممتاز، مرفقا مضمون تدوينته بالخبر الصاعق “لقد اتفق هذان الزعيمان على أنه، من أجل تحقيق السلام بين بلديهما، سيبدلآن رسميا وقفا لإطلاق النار لمدة عشرة أيام عند الساعة الخامسة مساء بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة”…. اما الصدمة الاخرى التي تضمنت تغريدته فهي تحديده يوم الثلاثاء القادم كموعد للقاء الذي سيجمع بين نتانياهو – عون في البيت الابيض لإجراء أول محادثات اعتبرها ترامب … “ذات مغزى بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1983، وهو زمن طويل جدا. كلا الجانبين يرغبان في رؤية السلام، وأعتقد أن ذلك سيتحقق، وبسرعة”.
انتشرت تدوينة ترامب كالنار في الهشيم وبدأت المواقف تتزاحم في الاعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي…. “الجميع منتصر ومهزوم” لكن الواقع على الارض ومن خلال قراءة لبنود الاتفاق الذي نشرته وزارة الخارجية الاميركية يضع النقاط على الحروف ولا يمكن قراءته عكس ما ورد فيه بوضوح رغم انه يبدو كحقل الغام.

اختبار السيادة

ولفكيك بنود هذا الاتفاق لا بد من قراءة مضمونها الظاهر والخفي وفق ما جاء على لسان احد المحللين في حديثه لموقع “صوت بيروت انترناشونال” الذي رأى ان ابرز ما جاء فيه هو نصه الصريح بأن الطرفين “يؤكدان على أنهما ليسا في حالة حرب”، وهو بند يمثل “الزلزال” الذي ينقل لبنان من “ساحة مواجهة” إلى “طرف مفاوض” يعترف بحدود وسيادة الآخر. أما بخصوص معضلة السلاح، فقد كان النص قاطعا حين ذكر أنه “تقتصر القوات المصرح لها حمل السلاح على القوات المسلحة اللبنانية والقوى الأمنية الرسمية”، في إعلان دولي صريح بانتهاء صلاحية “الثلاثية” التي طالما اقتحمت البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية السابقة .وبذلك برفع الغطاء عن أي تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة. ويضيف المحلل لم يقف الاتفاق عند الحدود التقنية، بل جعل السيادة اللبنانية “رهينة” الاختبار اليومي، مشيرا إلى إمكانية تمديد الهدنة “في حال أثبت لبنان فعليا قدرته على فرض سيادته”، وهذا ما يؤشر الى ان المجتمع الدولي سيراقب النتائج الملموسة على الارض. وفي المقابل، تضمن الاتفاق بندا “ملغوما” يمنح إسرائيل “الحق في اتخاذ كافة التدابير الضرورية للدفاع عن نفسها بمواجهة الهجمات المخطط لها والوشيكة”، وهو ما يعطي حق اسرائيل “الرد الاستباقي” ويضع الجغرافيا اللبنانية تحت المراقبة الدائمة. وفي نهاية المطاف، فإن الالتزام بـ “الانخراط في مفاوضات مباشرة بحسن نية” هو كسر لآخر المحرمات السياسية، ليجد لبنان نفسه أمام خيار وحيد… إما الدولة الكاملة أو مواجهة العاصفة وحيدا.
ساعة الصفر دقت منتصف الليل، لكن الاصوات التي ارادت نسب الانتصار لها في هذا الاتفاق، استمرت في معركتها وعلى رأسهم ايران التي اصرت على انها ما زالت وصية على لبنان ولها الدور الاساس في تحقيق وقف اطلاق النار، انه “النصر الالهي المزعوم”… انها محاولة مكشوفة لامتصاص صدمة البنود السيادية التي فرضتها واشنطن، حين خرج رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ليعلن ان طهران “ستتعامل مع وقف إطلاق النار بحذر وستبقى معا حتى التحقق الكامل للنصر”، مدعيا أن هذا الاتفاق “لم يكن إلا نتيجة لصمود حزب الله واتحاد محور المقاومة”.

واقعية بري

أما على صعيد لبنان، فقد تجلت الواقعية السياسية وفق المحلل ببيان رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي عكس حجم المأزق الميداني والسياسي بعيدا عن صراخ الانتصارات الوهمية، حيث دعا فيه الى “التريث في الانتقال إلى البلدات والقرى حتى تتضح الأمور والمجريات وفقا لاتفاق وقف إطلاق النار”. إن دعوة الأخير تؤشر الى إدراكه للخطورة الكامنة في بند الرد الاستباقي الذي قد يفسر دوليا كخرق للاتفاق، ما يعطي الضوء الأخضر لآلة الحرب للعودة من جديد. وحين اعتبر بري أن “الحفاظ على السلامة والأرواح من أولى الواجبات وهو أصدق وفاء للأرض”، فإنه وضع حدا للمخاطرة الميدانية في قرى لم تمسح أمنيا، ليبقى قوله “حتى تتضح الأمور والمجريات” اعترافا بأن نجاح الهدنة مرتبط حصرا بـ “القدرة الفعلية على فرض السيادة” كما نصت وثيقة واشنطن، بعيدا عن أي مناورة ميدانية قد تفسر كخرق للالتزامات الدولية.