
الرئيس جوزاف عون
في خضم تصعيد عسكري غير مسبوق، تحول ليل العاصمة اللبنانية إلى ساحة لـ “عاصفة القصف” الإسرائيلية، حيث طالت الغارات المكثفة والعنيفة الضاحية الجنوبية، مستحضرة تهديدات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، التي أطلقها في مطلع هذا الشهر، متوعداً بأن “الضاحية ستصبح قريباً مثل خان يونس”. هذا التصعيد لم يقتصر على الميدان، بل توسع ليطال قلب بيروت الإدارية للمرة الثانية، وذلك بعد استهداف فندق “رمادا” في منطقة الروشة قبل أيام، واليوم، سجلت العاصمة استهدافاً جديداً طال إحدى الشقق في منطقة عائشة بكار، في مؤشر واضح على توسيع بنك الأهداف الإسرائيلي ليشمل عمق بيروت.
توازى هذا التصعيد مع تصريحات رسمية إسرائيلية حادة، حيث أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في آخر جلسة للمجلس الوزاري المصغر أن زمن التسامح مع الصواريخ العابرة للحدود قد ولى، مشدداً على أن إسرائيل لن تقبل بأي مبادرات سياسية لا تضمن إبعاد “حزب الله” إلى ما وراء نهر الليطاني بشكل قطعي ونهائي. وفي سياق متصل، اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر خلال لقائه مبعوثة الأمم المتحدة إلى لبنان جانين هينيس بلاسخارت أن إضعاف “حزب الله” يشكل مصلحة مشتركة لكل من إسرائيل ولبنان، مشيراً إلى أن هذا الحزب انضم إلى الحرب نتيجة ضغط إيراني. وقال إن الهجمات التي انطلقت ضد إسرائيل من الأراضي اللبنانية خلال الأسبوع الأخير كانت أكثر من تلك التي انطلقت من الأراضي الإيرانية. وأضاف أن إسرائيل قررت هذه المرة عدم إجلاء سكانها من بلدات الشمال، وأنها ملتزمة بالقيام بكل ما يلزم من أجل حمايتهم، مؤكداً أن انتشار الجيش الإسرائيلي في منطقة الحدود أمر ضروري لمنع توغل قوات برية تابعة لـ “حزب الله” وإطلاق النار نحو المدنيين والبلدات الإسرائيلية .
خارطة طريق وسط النار
وفي ظل هذه الضربات القاسية ظهر تحرك رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون حيث أعلن مبادرته خلال اجتماع افتراضي بدعوة من رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة “المفوضية الأوروبية” أورسولا فون دير لاين، وبمشاركة قادة وممثلين من عدة دول. حيث رسم في مداخلته خارطة طريق من 4 نقاط للإنقاذ، داعياً إلى وقف شامل للأعمال العدائية، وتمكين الجيش اللبناني من السيطرة الكاملة على مناطق التوتر، ومصادرة السلاح غير الشرعي وحصره بيد الدولة، وصولاً إلى مفاوضات مباشرة برعاية دولية، مؤكداً أن الدولة اللبنانية بجيشها ومؤسساتها هي الجهة الوحيدة المخولة بتولي المسؤولية الدستورية، بعيداً عن منطق الساحات المتداخلة. معتبراً أن ما جرى كان “كميناً منصوباً للبنان وللقوى المسلحة اللبنانية”، مشيراً إلى أن من أطلق تلك الصواريخ كان مستعداً “لشراء سقوط دولة لبنان تحت العدوان والفوضى ولو بثمن تدمير عشرات قرانا وسقوط عشرات الآلاف من أهلنا”.
وفي موازاة ذلك، لا يزال رئيس مجلس النواب نبيه بري يحاول الإمساك بزمام الأمور عبر التركيز على آليات تنفيذ وقف إطلاق النار السابق، مبدياً حذره من المبادرات التي قد تستبق الحلول الوطنية الموحدة. وقد شهدت الساعات الماضية نقل السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى وفق بعض التسريبات جواباً سلبياً على مبادرة عون خلال لقائه به في قصر بعبدا، مؤكداً أن واشنطن ترفض أي نقاش سياسي قبل التنفيذ العملي لنزع سلاح “حزب الله” بالكامل، وأن إسرائيل ستواصل عملياتها العسكرية بدعم أميركي.
وفي موازاة هذه التحركات برز موقف الرئيس عون خلال زيارته لوزارة الدفاع وقيادة الجيش، حملت رسائل إلى منتقدي قائد الجيش رودولف هيكل والمطالبين باستقالته حيث أكد “أن العماد هيكل باقٍ في منصبه وأي استهداف له هو استهداف للوطن” مضيفاً أن “المساس برأس الهرم العسكري في هذا التوقيت هو ضرب لعمود خيمة الدولة”. هذا الموقف الرئاسي اعتبره البعض أنه أيضاً موجه للخارج لاسيما وأن السيناتور الأميركي ليندسي غراهام اعتبر في تصريحات متلفزة أنه “فيما يتعلق بلبنان، هناك قائد عسكري مسؤول عن الجيش اللبناني لا أثق به على الإطلاق. إنه يتجاهل حزب الله عن عمد، ولا يقوم بنزع سلاحه. لقد أطلقت صواريخ من مناطق كان من المفترض أن يقوم الجيش اللبناني بتطهيرها. دعونا نأت بشخص ما ليتولى مسؤولية الجيش اللبناني”.
جدار الرفض الداخلي
وبالعودة إلى مبادرة الرئيس عون فهي اصطدمت بفيتو “حزب الله” ،حيث شن نواب الحزب هجوماً مضاداً رداً على طروحاته، مؤكدين أن السلاح هو جزء من الردع. حيث أكد رئيس “كتلة الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد أن السلاح غير قابل للنقاش، ووصف النائب حسين الحاج حسن المبادرة بغير القابلة للتطبيق… هذا التصلب يضع البلاد في حالة انسداد سياسي، حيث تتقاطع نيران الصواريخ التي تجاوزت 2000 صاروخ منذ مطلع مارس مع طموحات التوسع الإسرائيلي، مما يجعل الحراك السياسي يبدو كأنه تجديف عكس التيار.