
جندي من الجيش اللبناني يقف بالقرب من مركبات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (اليونيفيل) في مرجعيون (رويترز)
حين صدر القرار 1701 في مجلس الأمن في آب 2006، كان لبنان يخرج من حرب مدمرة انهكت الجنوب ووضعت المجتمع الدولي امام مسؤولية تثبيت السلم. القرار جاء تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ملزما بسط السيادة اللبنانية ونزع سلاح القوى غير الشرعية، لكنه منذ لحظة ولادته ظل معلقا، لم تنفذ بنوده الجوهرية، وظل الحديث عنه يتجدد مع كل ازمة او مواجهة، وصولا الى ما سمي بعملية “الإسناد” التي اعادت النقاش حوله الى الواجهة الأمنية والسياسية.
الأسباب التي حالت دون التنفيذ كانت متشابكة ومعقدة. داخليا، اصطدمت الدولة اللبنانية بواقع سياسي منقسم، حيث شكّل “حزب الله” جزءا من السلطة التنفيذية والتشريعية، ما جعل اي محاولة لنزع سلاحه تهديدا للاستقرار الداخلي. هذا التوازن الهش بين الدولة و”حزب الله” جعل القرار مادة خلافية اكثر منه خطة عمل. لعبت سوريا وإيران دورا أساسيا في تعطيل التنفيذ، اذ اعتبرتا ان القرار يستهدف نفوذهما الاستراتيجي في لبنان، فوفرتا الغطاء السياسي والعسكري لاستمرار الوضع القائم. وعلى المستوى الدولي، ورغم ان القرار صدر تحت الفصل السابع، فإن القوى الكبرى لم تظهر إرادة حقيقية لتفعيل ادواته القسرية. الولايات المتحدة وفرنسا اكتفتا بالضغط السياسي والدعم المالي للجيش اللبناني واليونيفيل، دون الذهاب الى فرض عقوبات او اجراءات مباشرة ضد الجهات المعرقلة. هذا التردد الدولي جعل القرار يعيش في حالة جمود مقصود، حيث بقيت الدولة عاجزة عن بسط سلطتها الكاملة، فيما بقي المجتمع الدولي يلوح به كورقة ضغط دون ان يذهب الى ابعد من ذلك.
حتى الصياغة النهائية للقرار حملت بصمات هذا التوازن، اذ تشير روايات الى ان رئيس الوزراء آنذاك فؤاد السنيورة لم يقبل ادراجه بشكل صريح تحت الفصل السابع، خشية ان يفهم ذلك كمساس بالسيادة اللبنانية او كذريعة لتدخل دولي مباشر. هذا التحفظ ساهم في تمرير القرار آنذاك، لكنه ايضا جعل تنفيذه لاحقا اكثر صعوبة، لانه افتقر الى ادوات إلزامية واضحة.
خطة الجيش ومصير سلاح “حزب الله
اليوم، وبعد مرور ما يقارب عقدين، يرتبط القرار بالخطة التنفيذية التي اطلقها الجيش اللبناني مؤخرا، وهي ثمرة مسعى امريكي قاده المبعوث الأميركي توم باراك لإعادة تفعيل الالتزامات المعلقة. ففي الخامس من آب من العام الجاري ،وافقت الحكومة اللبنانية على الخطة، وبعد يومين عرض قائد الجيش رودولف هيكل تفاصيلها وبدأ تنفيذها. هذه الخطة لم تكن سوى محاولة لإحياء روح القرار، لكنها تكشف في الوقت نفسه ان جوهره ما زال معلقا…. نزع السلاح غير الشرعي وبسط السيادة الكاملة.
ولا بد من الإشارة الى ان الحديث الجدي عن القرار 1701 لن يبدأ قبل ان ينهي الجيش اللبناني عرض تقريره الأخير، التقرير الذي يفترض ان يظهر ما اذا كان قد تمكن فعلا من تنفيذ الشرط الجوهري المتعلق بنزع سلاح “حزب الله”. هذه اللحظة ستكون فاصلة، لأنها ستحدد ان كان القرار قد دخل مرحلة التطبيق العملي، ام ان المجتمع الدولي سيعتبر ان لبنان عجز عن الوفاء بالتزاماته، ما يفتح الباب امام تفعيل ادوات الفصل السابع بكل ما تحمله من ضغط وعقوبات وآليات قسرية.
ومع اقتراب نهاية المرحلة المحددة للخطة، وبخاصة قبل عرض قائد الجيش تفاصيل التنفيذ والنتائج المتوقعة في التاسع عشر من الشهر الجاري، يطرح البعض فرضية ان انتهاءها يعني انتهاء مفاعيل القرار. غير ان القراءة القانونية والسياسية تؤكد العكس، فالخطة ليست بديلا عن القرار، بل مجرد اداة مرحلية لتنفيذه. والتساؤل الأهم هنا لا يدور حول انتهاء صلاحية القرار، بل حول مصيره في حال لم ينل تقرير الجيش ونتائج الخطة “الرضا الكافي” من الدول الكبرى والولايات المتحدة على وجه الخصوص. ان القرار يبقى قائما وملزما تحت الفصل السابع حتى تتحقق شروطه كاملة، وأبرزها الشرط الجوهري المتعلق بنزع سلاح القوى المسلحة غير الشرعية، وهو الشرط الذي لم ينجز بعد.
شبح الفصل السابع
هذا التعثر يضع لبنان والمجتمع الدولي امام تبعات خطيرة… استمرار الخطر الأمني طالما بقي السلاح خارج سيطرة الدولة، واحتمال تآكل الثقة الدولية بالدولة اللبنانية بما ينعكس عزلة دبلوماسية واقتصادية.
ان عدم تحقيق البنود الجوهرية للقرار 1701، بعد استنفاد الخطة المدفوعة بالمسعى الأمريكي، يضع لبنان والمجتمع الدولي امام تبعات خطيرة ويمنح اسرائيل ذريعة لتبرير اي عمل عسكري مستقبلي بحجة مواجهة خطر غير منضبط. ومن جهة اخرى سيكون لبنان في مواجهة المجتمع الدولي الذي سيدفع باتجاه تنفيذه قسريا ، وكونه صدر تحت الفصل السابع، فإن نهاية الخطة دون تحقيق الهدف المركزي تعني ان المسار السلمي والداخلي قد وصل الى طريق مسدود. هذا الأمر سيفتح الباب امام مجلس الأمن لتفعيل ادواته القسرية المتمثلة في فرض عقوبات دولية مُستهدِفة على الأفراد والجهات المعيقة للتنفيذ، وإمكانية التلويح بآليات تنفيذ اشد لضمان بسط السيادة ونزع السلاح. وبالتالي ان الفشل في تطبيق القرار الذي وضعت له خطة بدعم دولي يؤكد عجز الدولة عن بسط سلطتها الكاملة. هذا يقلل من الدعم الدولي للبنان، وقد يزيد من عزلته الدبلوماسية والاقتصادية.
في المحصلة، ان القرار 1701 لن تنته مفاعيله بانتهاء الخطة الأخيرة للجيش، بل سينتقل الى مرحلة اكثر حساسية. فاللحظة الحاسمة هي تقييم المجتمع الدولي لنتائج الخطة. فإما ان يعتبر ما تم خطوة أولى مقبولة تفتح الباب امام آلية جديدة لتحقيق الشرط الجوهري، او ان يفتح عدم الرضا عن نتائج الخطة، الباب امام احتمال لجوء مجلس الأمن أخيرا الى الأدوات القسرية للفصل السابع، بما في ذلك العقوبات او آليات تنفيذ اشد، ليظل لبنان تحت وطأة قرار دولي ملزم لم ينفذ بعد. القرار 1701 يظل عقدا قائما، والضغط الدولي الذي افرز الخطة الأخيرة ليس سوى إشارة الى ان المجتمع الدولي لم يتخل عن هدفه الأساسي ألا وهو بسط السيادة الكاملة ونزع السلاح غير الشرعي.
ولا بد من التذكير ان القرار 1701، بصفته صادرا عن مجلس الأمن تحت الفصل السابع، لا يحتاج الى تعديل او إعادة إصدار كي يبقى نافذا. فهو عقد دولي ملزم يستمر حتى تتحقق شروطه كاملة. وفي حال فشل الجيش اللبناني في مهمته، فإن المجتمع الدولي لن يعتبر القرار ساقطا، بل سيعتبر ان لبنان لم يثبت قدرته على الالتزام، ما يفتح الباب امام تفعيل ادوات الفصل السابع القسرية. هنا يصبح مجلس الأمن صاحب الكلمة الفصل، اذ يمكنه اللجوء الى العقوبات او آليات تنفيذ اشد، فيما تضغط الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، لدفع القرار نحو التطبيق الكامل. وبذلك، فإن رؤية المجتمع الدولي لا ترى في الفشل نهاية للقرار، بل بداية لمسار اكثر صرامة، حيث يظل لبنان تحت وطأة التزامات لم ينفذها بعد، ويواجه خطر العزلة او التدخل المباشر لضمان السلم والأمن الدوليين.