
السفير السابق سيمون كرم
شكل قرار رئيس الجمهورية بتكليف المحامي والسفير السابق سيمون كرم برئاسة الوفد اللبناني في لجنة وقف إطلاق النار بالناقورة مفاجأة سياسية مدوية. فالخطوة، التي جاءت في لحظة إقليمية وأمنية بالغة الحساسية، لم تكن مجرد إجراء إداري، بل بدت كحركة تكتيكية استباقية لـ تفعيل أدوات التفاوض في وجه التصعيد المحتوم. ويطرح التساؤل حول سرعة طرح اسم كرم ومشاركته في اجتماع اللجنة في اليوم نفسه، مما يعكس حالة الاستعجال التي تحكم القرار. إن اختيار شخصية مدنية لتمثيل لبنان في “لجنة الميكانيزم” يأتي في توقيت يتقاطع فيه ضغط داخلي مع إشارات دولية تنذر بالانفجار، ما يجعل القرار محفوفا بالأسئلة حول قدرته على خلق هامش مناورة أمام الضغوط الخارجية .
دوافع التوقيت وجدل التفاوض
جاء هذا التكليف وسط مؤشرات متزايدة على أن التصعيد الإسرائيلي بات وشيكا، وأن ضربة عسكرية قد تكون قيد التحضير، وهو مناخ تزامن مع ضغط دبلوماسي إضافي تجلى في زيارة المبعوث الأمريكي توم باراك إلى العراق وتحذيراته المباشرة للبنان. ورغم تأكيد رئيس الحكومة نواف سلام أن رسائل إسرائيل عن تصعيد محتمل غير مرتبطة بمهل زمنية، الا أن القيادة اللبنانية هدفت بهذه الخطوة إلى استباق التطورات الأمنية، وتم اتخاذ القرار بالتشاور مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام وفق ما جاء في بيان رئاسة الجمهوؤية ،لضمان توافق داخلي يوفر للوفد غطاء سياسيا واسعا.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن لبنان ليس بصدد مفاوضات سلام مع إسرائيل وأن التطبيع مرتبط بعملية السلام، مشددا على أن لبنان لن يسمح بمغامرات تقود الى حرب جديدة و يجب استخلاص العبر من تجربة نصرة غزة. وقد أشار نواف سلام إلى أن نتنياهو ذهب بعيدا في توصيفه خطوتنا بضم دبلوماسي لبناني سابق الى اللجنة.
إن إسناد المهمة لشخصية مدنية يحمل رسالة مزدوجة، التأكيد على الطابع المدني للتفاوض ومحاولة إظهار مرونة لبنانية محسوبة أمام المجتمع الدولي، خاصة أن هذا التعيين قابله قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتكليف نائب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي بمهمة مماثلة. وبالفعل، أنهت لجنة “الميكانيزم” اجتماعها في رأس الناقورة، وقد شارك مدني للمرة الأولى كرئيس للوفد اللبناني، وهو السفير السابق سيمون كرم، الى جانب ضباط من الجيش اللبناني بقيادة قائد قطاع جنوب الليطاني العميد الركن نيكولاس تابت. وتبقى التساؤلات عن طبيعة التفاوض… هل سيتحول الى مسار مباشر وملزم، أم سيبقى غير مباشر. لطالما رفضت إسرائيل أي تفعيل للجنة قبل نزع سلاح “حزب الله” وتطبيق كامل بنود “إعلان وقف الأعمال العدائية”، وقبولها بضم شخصية مدنية غير عسكرية يثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا تحولا في موقفها أم مجرد خطوة تكتيكية مرتبطة بالتصعيد المرتقب.
صراع السيادة والأجندة الاقتصادية
الإشكالية الكبرى تتجسد وفق مصادر متابعة ، في الأجندة التي سيقدمها الوفد، وهي مفتاح تحليل دلالات هذا التكليف غير المتوقع. فقد سبق وأن أعلنت رئاسة الجمهورية أن الأولوية هي المطالبة بانسحاب إسرائيل الكامل والفوري من النقاط المتنازع عليها وتثبيت السيادة اللبنانية على كامل “الخط الأزرق” المعترف به دوليا.
في المقابل، صرح وزير الاقتصاد والصناعة الإسرائيلي بأن بلاده “ستدرس إقامة علاقات اقتصادية مع لبنان بشكل إيجابي، لكن الأولوية هي التأكد من إزالة التهديد الأمني”. هذا التصريح يعزز التحدي الحاسم أمام جدول الأعمال اللبناني… هل ستبقى الأولوية لـ “ثوابت السيادة” والالتزامات العسكرية، أم سينجرف المسار نحو أجندة أميركية–إسرائيلية تتجاوز القضايا الحساسة لصالح تفاهمات اقتصادية آنية. في هذا الجدل الداخلي، أشار رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام الى أن سلاح “حزب الله” لم يردع إسرائيل ولم يحم لبنان، مؤكدا أن الدولة استعادت قرار الحرب والسلم.
هذا الانقسام يضاعف التحدي، فهناك من يرى أن إشراك شخصية مدنية يخفف الطابع العسكري ويمنح لبنان صورة أكثر قبولا دوليا، فيما يعتبر آخرون أن تجاوز ملف نزع السلاح يضعف الموقف الرسمي ويجعل أي تفاوض على الحدود مشروطا بملف لم يحسم بعد، بينما يبرز رأي ثالث يرى أن التكليف ليس سوى إدارة للأزمة لا حلا جذريا، إذ تبقى الأسئلة الكبرى حول السيادة والسلاح معلقة. مهمة السفير سيمون كرم ستحدد ما إذا كان لبنان يسعى فعلا لتحويل اللجنة إلى منبر لفرض السيادة، أم أنه يكتفي بإدارة الأزمة في مواجهة الضغوط.
لجنة الناقورة كساحة اختبار للتصعيد
لا يمكن قراءة تكليف سيمون كرم بمعزل عن التوازنات الداخلية والضغوط الإقليمية والدولية. فهو قرار يفتح الباب أمام جدل واسع حول شكل التفاوض وحدود الممكن، ويعكس أن لجنة الناقورة تحولت إلى ساحة اختبار لقدرة لبنان على تحويل هذه الخطوة التكتيكية إلى مكسب سياسي ملموس في مواجهة عاصفة التصعيد المحتملة.
ما جرى في الاجتماع يؤكد تمسك لبنان بأولوياته، حيث تركز الجانب اللبناني في الاجتماع على الخروق الإسرائيلية لاتفاق وقف الأعمال العدائية وتنفيذ القرار 1701. هذا التمسك بالجوانب الأمنية وتطبيق القرارات الدولية، مقابل طرح الأجندة الاقتصادية من قبل الجانب الإسرائيلي، يظهر أن اللجنة ليست مجرد إطار شكلي. بل هي ساحة صراع الأجندات التي ستحدد ما إذا كانت هذه الخطوة التكتيكية ستنجح في تحويل التوتر إلى آلية تفاوضية، أم أنها ستبقى مجرد إجراء شكلي في مواجهة التصعيد.