
الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم
في الذكرى الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر 2024، خرج “حزب الله” ببيان لا يمكن قراءته كتعليق عابر على حدث مضى. البيان رغم تعدد أوجهه، حمل نبرة رفض واضحة، كأنما يتعمد قلب الطاولة على مسار التسوية الدبلوماسية. ووفقًا لما نقلته مصادر معارضة تحدثت إلى “صوت بيروت إنترناشونال”، فإن هذا الموقف لا يأتي من فراغ، بل يُقرأ كبديل للتجاهل الفعلي لذلك المسار، وربما كإعلان ضمني عن نهاية مرحلة وبداية أخرى أكثر تصادمية. وتضيف المصادر أن رفض الحزب القاطع لنزع السلاح أو الانخراط في أي تفاوض سياسي مع إسرائيل، إلى جانب وضعه خطوطًا حمراء أمام حصر السلاح بيد الدولة، يجعله في مواجهة مباشرة مع سلطة الحكومة والقوى السيادية، متحديًا بذلك قرار الدولة وحصريتها. هذا الموقف، بحسب المصادر نفسها، يعيد ترسيخ منطق “ازدواجية القرار” الذي يهدد المؤسسات ويمنع الدولة اللبنانية من استعادة السيطرة الكاملة على سيادتها.
لبنان “النار البديلة” للمحور
ان هذا التصعيد المحلي لا ينفصل عن التحولات الجيوسياسية الكبرى في الإقليم، وفق المصدر نفسها. فبعد أن سقطت “ورقة غزة” عمليا من معادلة الصراع ،إثر الاتفاق التاريخي الذي رعاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واستمرار عملية تبادل الأسرى، وجدت إيران نفسها أمام فراغ استراتيجي كبير. هذا الفراغ تجلى أيضا في اليمن، حيث أوقف الحوثيون هجماتهم بعد خروج قطاع غزة من المعادلة العسكرية. في هذا المأزق الاستراتيجي، تسعى طهران إلى إعادة توتير الساحات التي لا تزال تحت نفوذها، وعلى رأسها لبنان، الذي يتم تهيئته ليكون “النار البديلة” التي يمكن إشعالها للحفاظ على أوراق الضغط الإقليمي. وبذلك، يتحول البيان إلى ورقة ضغط تخدم الأجندة الإيرانية ،لعرقلة أي استقرار ينهي دور أذرعها في المنطقة، مؤكداً أن الهدنة العسكرية لم تكن سوى فاصل زمني قصير في صراع سياسي أعمق .وقد عززت طهران هذا التموضع بموقف رسمي، حيث أدانت إيران بشدة القصف الإسرائيلي الأخير على جنوب لبنان، واعتبرته “عدوانا وحشيا” وانتهاكًا صارخا للسيادة اللبنانية. وأكدت في بيان رسمي دعمها الكامل لحزب الله ولحكومة وشعب لبنان.
“قرار الحرب والسلم”
جاء البيان ليؤكد مجددًا وفق المصدر منطق “الدولة داخل الدولة” ، برفضه المطلق لمناقشة مسألة سلاح “المقاومة” كاستجابة لضغوط خارجية، ومؤكدا أن الدفاع عن لبنان “ليس قرار حرب أو سلم، بل حق مشروع وواجب وطني”. هذا الموقف يرسخ ازدواجية القرار ويهدد سلطة الدولة. في المقابل، كان الرد الرسمي اللبناني قويًا وحاسمًا، حيث رسم رئيس الوزراء نواف سلام خطاً فاصلاً واضحاً، مؤكداً أن “قرار الحرب والسلم في لبنان لم يعد شأنًا يُدار خارج مؤسسات الدولة”، وشدد على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة. وقد حظي هذا الموقف الوطني بدعم دولي فوري، خاصة من سفارة الولايات المتحدة التي أدانت بشدة أي نشاطات تقوم بها “جهات خارجة عن سلطة الدولة اللبنانية”، مؤكدة دعمها لسيادة لبنان.
عزلة اقتصادية وانهيار مالي وشيك
أن رفض “حزب الله” الانخراط في المسار الدبلوماسي، وتصرفه على الأرض بطريقة تتعارض مع بنود القرار 1701 دون إعلان صريح بعدم الالتزام به، يضع مصير لبنان الاقتصادي على المحك. فالمجتمع الدولي يربط الدعم المالي والاستثماري بـ الاستقرار وبسط السيادة. وعندما يرى المانحون أن الدولة لا تملك السيطرة على قرار الحرب، يتراجعون عن تقديم الدعم الحقيقي، خوفاً من أن تُستنزف أموالهم في صراعات لا سيطرة للدولة عليها. هذا الموقف يعزز العزلة الاقتصادية ويزيد من احتمالات الانهيار المالي الشامل نتيجة الفشل في تطبيق الإصلاحات المطلوبة دولياً. يتحول بيان التصعيد إلى ضربة مباشرة لفرص الإنقاذ الاقتصادي، ليصبح ثمن “اللاسيادة” اقتصاديًا باهظًا، يعمق الانقسام اللبناني مجدداً بين “المعسكر السيادي” الذي يصر على حصرية القرار، و”محور المقاومة” الذي يرى أن حقه في الدفاع عن الوطن لا يخضع لتفاوض خارجي. وبذلك، يؤكد البيان أن الهدنة العسكرية كانت مجرد “فتيل موقوت” يمكن إشعاله بتحرك إقليمي إيراني، ليصبح السؤال الأهم، هل لبنان مستعد ليكون أداة لإيران لإشعال جبهة جديدة بعد أن خرجت غزة من اللعبة؟ استمرار الحكومة في موقفها السيادي هو السبيل الوحيد لإثبات وجود الدولة، أما التراجع أمام منطق القوة، فسيكون بمثابة قرار ذاتي بتفكيك سلطة الدولة وشرعيتها.