الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

أمانة الشهيد رفيق الحريري.. استعادة المبادئ من براثن الصفقات والتسويات

بينما تنشغل الدوائر السياسية في بيروت بمراقبة كواليس التفاهمات السرية، يظهر بوضوح أن حراكا شعبيا بدأ يتشكل رفضا للمساس بالثوابت التي قامت عليها مدرسة “لبنان اولا”، وفي هذا الصدد يروي أحد الذين عاصروا الرئيس الشهيد رفيق الحريري وواكبوا تفاصيل مسيرته، أن ما يشهده الواقع اللبناني حاليا يتجاوز فكرة التنسيق السياسي التقليدي، بل يمثل سعيا لتغيير الهوية الدستورية والوطنية التي استقرت لسنوات. ففي الوقت الذي يتم فيه الترويج لسياسات التهدئة كمدخل لانتظار انتخابات 2026… جاء موقف الشيخ بهاء الحريري عبر منصة “اكس” ليعيد تسليط الضوء على الأزمة الأخلاقية العميقة، مؤكدا أن التواصل مع الطرف المتورط في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد لا يندرج تحت باب الواقعية… بل هو تخل صريح عن وجدان الشارع وطعنة في ظهر العدالة.

إعادة تصويب البوصلة

توضح القراءة التحليلية للمشهد أن تدخل الشيخ بهاء الحريري لم يكن مجرد سجال سياسي، بل شكل خطوة لإنقاذ المسار الوطني من الانحراف نحو تسويات مشبوهة. ويرى من خبر تلك الحقبة التاريخية أن هذا الوضوح في الموقف جاء ليعيد رسم الحدود الفاصلة بين المبادئ الراسخة وبين صفقات المصالح الضيقة، معتبرا إياه محاولة لتنقية البيت الداخلي وتذكيرا بأن زعامة هذه المدرسة هي عهد أخلاقي لا يقبل المساومة على التضحيات الكبرى. لقد نجحت هذه الصرخة السيادية في وضع الحقيقة بمكانها الصحيح كأولوية قصوى، مع رفض تام لتحويل إرث الشهيد رفيق الحريري إلى مجرد غطاء شرعي لسياسات تهدف لفرض الهيمنة أو لشرعنة السلاح تحت مبررات زائفة لا تخدم سوى من ارتكب الجريمة.

مخاطر التطبيع الداخلي

تبرز خطورة المرحلة في اتساع الفجوة بين قيادة تبحث عن استمراريتها من خلال تفاهمات غير معلنة… وبين جمهور ما زال يستذكر أحداث 7 أيار كجرح وطني لم يغلق بعد. ويؤكد من عاصر تلك الأحداث في قراءته للمسار الحالي… أن محاولة تجاوز أحكام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان… التي أدانت سليم عياش وعناصر من “حزب الله” بالدليل القاطع في جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري… تعد مجازفة تجعل من مفهوم الاعتدال غطاء للاستسلام السياسي. فمن المنظور الوطني والدستوري… لا يمكن بناء مؤسسات الدولة مع طرف يصر على وصف المتهمين بالقداسة ويستفز المشاعر برفع صور سليم عياش في المناطق. هذه التناقضات حولت التواصل السري مع الضاحية إلى نوع من التطبيع الذي يمنح السلاح غير الشرعي مشروعية على حساب دماء الشهداء… مما يضع بيت الوسط في مواجهة مباشرة مع تاريخه المكتوب بالتضحيات.

رهان الذاكرة وسوق المقايضات

وفي استشراف النتائج المتوقعة… يبدو أن “حزب الله” الذي يواجه ضغوطا دولية وقرارات أممية كالقرار 1701… استغل تراجع البعض عن مواقفهم لانتزاع غطاء سياسي يؤمن شرعية وجود الدويلة. ويلفت من عايش حلم الإعمار والنمو في بيروت إلى أن المقايضات التي تجري اليوم تهدف لمكاسب انتخابية في عام 2026 مقابل الصمت عن جوهر الأزمة… وهو ما يمثل رصاصة رحمة على الإرث الذي دافع عنه اللبنانيون. إن العدالة ليست بندا للتفاوض… ومن يراهن على نسيان اللبنانيين لعبوات “تي ان تي” التي استهدفت قادة الوطن إنما يخطئ في تقدير نبض الشارع في بيروت وصيدا وطرابلس. فالجمهور الذي رفض الانكسار سابقا لن يقبل اليوم أن يكون مادة في سوق المقايضات مقابل وعود بالاستقرار تحت سلطة السلاح.

حتمية الوضوح في زمن الصفقات

ختاما… إن التاريخ لا ينصف المواقف الرمادية التي تحاول المساواة بين القاتل والضحية أو بين الدولة والدويلة. ويخلص صاحب هذه الشهادة التاريخية في ختام رؤيته… إلى أن الشيخ بهاء الحريري بموقفه الأخير قد فتح بارقة أمل لجمهور يرفض التفريط بثوابته فالمسار اليوم يتطلب عودة واضحة لخطاب السيادة والتمسك الكامل بالحقيقة دون مواربة. إن الوفاء لدم الشهيد رفيق الحريري لا يتحقق من خلال الصفقات السرية… بل عبر حماية الأمانة الوطنية التي لا تقبل التجزئة أو الانحناء أمام العواصف. فالبوصلة التي جرى تصحيحها اليوم هي الضمانة الأساسية لمنع ضياع القضية في دهاليز المصالح العابرة.